جلاله وعلو شأنه (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) .
وهو الذي خلق كل شيء جملة وتفصيلاً، فالجملة العالم كله بأسره كان في
علم خالقه موجودًا مصورًا قانتا له في غيبه، كما أنه قانت حال شهوده، يراه بارئه في
أزله ويسمعه، كما الآن على ذلك قدره غييًا في أزله الذي لا أول له، ثم أوجده يوم
أوجده على سواء ما قدره لم يستزد به علمًا خلا أنه الآن مشهود لنفسه وموجود،
وقد كان قبل عدمًا وفقدًا، وعلى المخلوق تختلف الأحوال لا على الخالق تعالى
عن ذلك، فمن الواجب القضاء أيضًا بأن كل موجود تضمنته الجملة وشمله الوجود
الكلي كذلك أيضًا قانت عابد (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(41) .
فإذًا قد كان كل هناك - أعني: في الأزل - عاملاً على شاكلته من حيث التقدير
والعلم والشهود له بذلك كله بما هو الآن عامل (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى
الْعَالَمِينَ (32) . كذلك خلقهم على علم بما هم عاملون؛ لأنهم قد كانوا
في موجود علمه حال عدمهم بذلك عاملون شهادةً منه لهم وعلمًا بهم لا عملاً
منهم ولا حالاً لعدمهم، ولما أخرجهم لما قد علمه منهم عملوا بذلك، فكل إذا
يستذكره ما ذكره به في الأزل ويستعمله بما لم يزل يعلم أنه عامله.
وفائدة هذه المسألة إزالة الإشكال في سبيل القول بالإحالة في حدث العالم،
وسبيل القول بالتجويز في قدمه فهو محدث، لأنه لم يكن ثم كان، وهو مربوب،
لأنه مخلوق مدبر مفصل وموصل، وهو قديم، لكونه معلومًا لخالقه مشاهدًا لبارئه،
فحدثه محدثه، لأنه مستفتح الوجود، فهو محدث لنفسه وقدمه، لأنه كان في علم
خالقه معلومًا وعنده مذكورا، فقدمه إذًا لغيره لا لنفسه، ومن هَاهُنَا تشعب الخلاف،
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أعرفكم بالله أعرفكم بنفسه"وقد قيل: من لم يدل على
المعرفة بالله - جل ذكره - بصنعه لنفسه، فلم يعرف الله إلا بالاسم لا بحقيقة المعنى.