قلت: قراءة الجمهور أحسن وأبلغ في المعنى المقصود والبراءة مما لا يليق بهم، فإنهم على قراءة الضم: يكونون قد نفوا حسن اتخاذ المشركين لهم أولياء، وعلى قراءة الجمهور: يكونون قد أخبروا أنهم لا يليق بهم، ولا يحسن منهم أن يتخذوا وليا من دونه، بل أنت وحدك ولينا ومعبودنا، فإذا لم يحسن بنا أن نشرك بك شيئا، فكيف يليق بنا أن ندعو عبادك إلى أن يعبدونا من دونك؟ وهذا المعنى أجل من الأول وأكبر، فتأمله.
والمقصود: أنه على القراءتين: فهذا الجواب من الملائكة ومن عبد من دون الله من أوليائه.
وأما كونه من الأصنام فليس بظاهر.
وقد يقال: إن الله سبحانه أنطقها بذلك، تكذيبا لهم، وردا عليهم، وبراءة منهم كقوله:
{إِذْ تَبَرَّاَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} [البقرة: 166] .
وفي الآية الأخرى {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كانُوا إِيَّانَا يَعُبُدُونَ} [القصص: 63] .
ثم ذكر المعبودون سبب ترك العابدين الإيمان بالله تعالى: بقولهم:
{وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكُرَ وَكانْوا قَوْماً بُورًا} [الفرقان: 18] .
قال ابن عباس: أطلت لهم العمر، وأفضلت عليهم ووسعت لهم في الرزق.
وقال الفراء: ولكنك متعتهم بالأموال والأولاد، حتى نسوا ذكرك، وكانوا قوما بورا: أي هلكى فاسدين، قد غلب عليهم الشقاء والخذلان. والبوار: الهلاك والفساد، يقال: بارت السلعة، وبارت المرأة، إذا كسدت ولم يحصل لها من يتزوجها.
قال قتادة: والله ما نسي قوم ذكر الله عز وجل إلا باروا وفسدوا.
والمعنى: ما أضللناهم ولكنهم ضلوا.
قال الله تعالى {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بَما تَقُولْونَ} [الفرقان: 19] .
أي كذبكم المعبودون بقولكم فيهم: إنهم آلهة، وإنهم شركاء، أو بما تقولون إنهم أمروكم بعبادتهم، ودعوكم إليها.
وقيل: الخطاب للمؤمنين في الدنيا: أي فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء المشركون بما تقولونه، مما جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الله من التوحيد والإيمان والأول أظهر، وعليه يدل السياق.
ومن قرأها - آخر الحروف - فالمعنى، فقد كذبوكم بقولهم، ثم قال:
{فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً} [الفرقان: 19] .
إخبارا عن حالهم يومئذ، وأنهم لا يستطيعون صرف العذاب عن أنفسهم، ولا نصرها من الله.
قال ابن زيد: ينادي مناد يوم القيامة، حين يجمع الخلائق: