وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّمَا سَمَّاهُمْ عِبَادَهُ إِذْ لَمْ يَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَتِهِ، وَأَنَابُوا إِلَيْهِ، وَاتَّبَعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ، فَيَكُونُوا مِنْ عَبِيدِ الْإِلَهِيَّةِ وَالطَّاعَةِ.
(فصل)
قوله سبحانه {وَيوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دونِ اللهِ} [الفرقان: 17] .
عام في كل عابد ومن عبده من دون الله.
وأما قوله {فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتمْ عِبَادِي هؤُلاءِ، أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان: 17] .
فقال مجاهد، فيما رواه ورقاء عن ابن أبي نجيح - عنه قال:"هذا خطاب لعيسى وعزير، والملائكة"وروى عنه ابن جريج نحوه.
وأما عكرمة والضحاك والكلبى، فقالوا: هو عام في الأوثان وعبدتها.
ثم يأذن سبحانه لها في الكلام، فيقول: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادي هؤُلاءِ} [الفرقان: 17] .
قال مقاتل: يقول سبحانه:"أأنتم أمرتموهم بعبادتكم، أم هم ضلوا السبيل؟ أي أم هم أخطأوا الطريق؟ فأجاب المعبودون بما حكى الله عنهم من قولهم: {سُبْحَانَكَ مَا كانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الفرقان: 18] ."
وهذا الجواب إنما يحسن من الملائكة والمسيح وعزير، ومن عبدهم المشركون من أولياء الله.
ولهذا قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة وعيسى الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله [تنزيها لك يا ربنا وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء المشركون] .
{مَا كانَ يَنْبَغِى لَنَا أن نتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الفرقان: 18] .
نواليهم، بل أنت ولينا من دونهم.
وقال ابن عباس ومقاتل"نزهوا الله وعظموه أن يكون معه إله".
وفيها قراءتان: أشهرهما - نتخذ - بفتح النون وكسر الخاء، على البناء للفاعل وهي قراءة السبعة. والثانية - نتخذ - بضم النون وفتح الخاء، على البناء للمفعول. وهي قراءة الحسن ويزيد بن القعقاع.
وعلى كل واحدة من القراءتين إشكال.
فأما قراءة الجمهور، فإن الله سبحانه إنما سألهم: هل أضلوا المشركين بأمرهم إياهم بعبادتهم، أم هم ضلوا السبيل باختيارهم وأهوائهم؟ وكيف يكون هذا الجواب مطابقا للسؤال؟ فإنه لم يسألهم: هل اتخذتم من دونى من أولياء؟ حتى يقولوا: {مَا كانَ يَنْبَغِى لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الفرقان: 18] .