فالعامل الذي يعمل في المجاري مثلاً ويتحمَّل أذاها هو في قدرته على نفسه ورضاه بقدَر الله فيه أفضل مِنِّي أنا في هذه المسألة ، لأنني لا أقدر على هذا العمل وهو يقدر ، ولو ترك الله مثل هذه الأعمال للتفضّل ما أقدم عليها أحد ، إذن: التسخيرات من الحق سبحانه وتعالى لحكمه .
ومثل هذه الأعمال الشاقة أو التي تؤذي العامل يعدُّها البعض أعمالاً حقيرة ، وهذا خطأ ، فأيُّ عمل يُصلح المجتمع لا يُعَدُّ حقيراً ، فلا يوجد عمل حقير أبداً ، وإنما يوجد عامل حقير .
فمعنى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} [الفرقان: 20] كل بعض منا فتنة للآخر ، فالغنيُّ فتنةٌ للفقير ، والفقير فتنة للغني . . الخ فحين يتعالى الغني على الفقير ويستذلّه فالفقير هنا قتنة للغني ، وحين يحقد الفقير على الغني ويحسده ، فالغنيّ هنا فتنة للفقر ، وهكذا الصحيح فتنة للمريض ، والرسل فتنة لمن كذّبوهم ، والكفار فتنة للرسل .
والناس يفرون من الفتنة في ذاتها ، وهذا لا يصح ؛ لأن الفتنة تعني الاختبار ، فالذي ينبغي أن نفر منه نتيجة الفتنة ، لا الفتنة ذاتها ، فالامتحان فتنة للطلاب ، مَنْ ينجح فالفتنة له خَيْر ومَنْ يخفق فالفتنة في حَقِّه شَرٌّ . إذن: الفتنة في ذاتها غير مذمومة .
لذلك تُؤخَذ الفتنة من فتنة الذهب حين يُصْهر ، ومعلوم أن الذهَب أفضل المعادن ، وإنْ وُجد ما هو أنفس منه ، لماذا؟ لأن من مَيْزاته أنه لا يتأكسد ولا يتفاعل مع غيره ، وهو كذلك سهل السَّبْك ؛ لذلك يقولون: المعدن النفيس كالأخيار بَطيءٌ كَسْره ، سريع جَبْره . فمثلاً حين يتكسر الذهب يسهل إعادته وتصنيعه على خلاف الزجاج مثلاً .
إذن: الفتنة اختبار ، الماهر مَنْ يفوز فيه ، فإنْ كان غنياً كان شاكراً مُؤدِّياً لحقِّ الغني مُتواضعاً يبحث عن الفقراء ويعطف عليهم ، والفقير هو العاجز عن الكسب ، لا الفقير الذي احترف البلطجة وأَكْل أموال الناس بالباطل .