وقال ابن الأنباريّ: كسرت {إِنَّهُمْ} بعد {إلا} للاستئناف بإضمار واو.
أي إلا وإنهم.
وذهبت فرقة إلى أن قوله: {لَيَاْكُلُونَ الطَعَاَمَ} كناية عن الحدث.
قلت: وهذا بليغ في معناه ، ومثله {مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام} [المائدة: 75] .
{وَيَمْشُونَ فِي الأسواق} قرأ الجمهور {يمْشُونَ} بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين.
وقرأ عليّ وابن عوف وابن مسعود بضم الياء وفتح الميم وشد الشين المفتوحة ، بمعنى يُدْعَون إلى المشي ويحملون عليه.
وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلمَيّ بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشدّدة ، وهي بمعنى يَمْشُونَ ؛ قال الشاعر:
ومَشَّى بأعطان المَبَاءة وابتغى ...
قلائصَ منها صعبةٌ ورَكُوبُ
وقال كعب بن زهير:
منه تظل سِباعُ الجوِّ ضامِزةً ...
ولا تُمَشِّي بوادِيه الأَراجيلُ
بمعنى تمْشي ....
الثالثة: هذه الآية أصل في تناول الأسباب وطلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك.
وقد مضى هذا المعنى في غير موضع ، لكنا نذكر هنا من ذلك ما يكفي فنقول: قال لي بعض مشايخ هذا الزمان في كلام جرى: إن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا ليسنوا الأسباب للضعفاء ؛ فقلت مجيباً له: هذا قول لا يصدر إلا من الجهال والأغِنياء ، والرعاع السفهاء ، أو من طاعن في الكتاب والسنة العلياء ؛ وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن أصفيائه ورسله وأنبيائه بالأسباب والاحتراف فقال وقوله الحق: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} [الأنبياء: 80] .
وقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الأسواق} قال العلماء: أي يتجرون ويحترفون.