المص أن يختاروا من أمرهم شيئاً بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعًا لاختيار الله تَعَالَى
فثبت ما قلنا من أن الوجوب عليه يستلزم سبب الاختيار بموجب الشرع؛ إذ جعل اختيار العبد
تبعًا لاختيار الله تَعَالَى سلب للاختيار، وكذا الحال لو فرض ثبوت الوجوب في الغائب.
قوله: (فإن تعلق الإرادة بالموعود مقدم عَلَى الوعد الموجب للإنجاز) أي إذا أراد خيرًا
ووعد به بعد ذلك وعدًا لا يخلفه، فالوعد مؤخر عن تعلق الإرادة والوعد وإن كان ملجئا سالبًا
للاختيار لكن تعلق الإرادة وهي الاختيار قبل الوعد فالاختيار متحقق، قيل والوعد إن كان
حادثًا فظَاهر، فإن كان قديمًا بأن كان بالْكَلَام النفسي فالتقدم والتأخّر بحسب الذات وهو لا
يستلزم الحدوث وهذا البيان لا يلائم قول أهل السنة الإرادة مقارنة للفعل وهو الموعود به هنا
وَأَيْضًا هذا بناء عَلَى أن تعلق الإرادة قديم كنفس الإرادة وذلك مذهب بعض الْمُتَكَلّمينَ
والْمَشْهُور أن صفة الإرادة قديمة وتعلقها حادث كما هُوَ مقتضى قولهم الإرادة مع الْفعْل
وَأَيْضًا الإشكال بفعل الموعود به حيث خطر بالبال بأن فعله تَعَالَى لا يكون اختياريًا متعلقًا
للحمد والثناء فإنه يكون عَلَى الجميل الاختياري فلو امتنع الخلف ووجب فعل الموعود لزم
المحذور الْمَذْكُور، وليس الإشكال بأنه لا يوجد الإرادة في صورة الوعد حتى يجاب بأن
الإرادة وتعلقها بالموعود مقدم عَلَى الوعد والْقَوْل بأن تعلق الإرادة بالموعود قبل الوعد
يكفي أن يكون الْفعْل مختارًا جميلًا ضعيف؛ لأنه في وقت صدور الْفعْل لم يبق الاختيار
والاعتبار في الاختيار وعدمه وقت صدور الْفعْل وفي ذلك الوقت انتفى الاختيار
فالأولى في الْجَوَاب أن يقال إن الْمُرَاد بالامتناع في امتناع الخلف الامتناع بالغير فلا
ينافي الإمكان سبب النظر إلَى ذاته فلا ينافي الاختيار فلا وجوب عليه حَقيقَة ولا وجوب عنه
أَيْضًا كما مَرَّ تحقيقه غايته أنه بمنزلة الوجوب عليه والوجوب عنه فلا محذور فيه. انتهى انتهى {حاشِيَتَا القونوي وابن التمجيد، على تفسير البيضاوي. 14/ 24 - 40} ...