لذلك جاءته صاغرة تقول: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين} [النمل: 44] .
إذن: مسألة المال هذه عُرِضَتْ على رسول الله قبل أن يقترحها كفار مكة ، فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد رفضه مِمَّن يملكه ، فكيف يقبله مِمَّنْ لا يملك شيئاً؟ لذلك قال لهم:
"والله ما بي حاجة إلى ما تقولون ، ، فلست طالب مال ، ولا مُلْك ، ولا شرف ، إنما أنا رسول الله أُرسِلْتُ إليكم ، ومعي كتاب فيه منهجكم ، وأمرني ربي أن أكون لكم بشيراً ونذيراً ، فإنْ جئتم على ما أحب فقد ضمنتم حظّ الدنيا والآخرة ، وإنْ رددتُمْ عليَّ قولي فإنني سأصبر إلى أن يحكم الله بيننا ، وهو خير الحاكمين".
فلجئوا إلى عم النبي صلى الله عليه وسلم ، لعله يستطيع أن يستميله ، فلما كلَّمه عمه قال قولته المشهورة:"والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر ما تركتُه حتى يُظهِره الله أو أهلك دونه".
{أذلك} [الفرقان: 15] أي: ما أنتم فيه الآن من العذاب خير ، أم جنة الخلد التي وُعِد المتقون؟ احكموا أنتم في هذه المسألة وسنرضى بحكمكم ، إنها إغاظة لأهل النار ، حيث جمع الله عليهم مقاساة العذاب مع النظر إلى أهل الجنة وما هم فيه من النعيم ، ولو كانت الأُولى وحدها لكانت كافية ، إنما هو في العذاب ويأتيه أهل الجنة لِيُبكّتوه: انظر ما فاتك من النعيم!!
وفيها أيضاً تقريع لهم ، فليس هناك وجه للمقارنة بين الجنة والنار ، فأنت مثلاً لا تقول: العسل خير أم الخل ؛ لأنه أمر معروف بداهة .
وسبق أنْ تكلّمنا عن الصراط ، ولماذا ضُرِب على مَتْن جنهم ، والجميع يمرون عليه ؛ لأن الله تبارك وتعالى يريد أنْ يجعل لك من مرائي النار التي تمرُّ عليها فوق الصراط نعمة أخرى تُذكِّرك بالنجاة من النار قبل أنْ تباشر نعيم الجنة .