لقد ذهب هؤلاء إلى سيدنا محمد رسول الله يقولون:"نحن وفد قومك إليك ، جئنا لنقدِّم المعذرة حتى لا يلومنا أحد بعد ذلك ، فإنْ كنتَ تريد مالاً جمعنا لك الأموال ، وإنْ كنتَ تريد شرفاً سوَّدناك علينا ، وإن كنت تريد مُلْكاً ملّكناك علينا".
وفَرْق بين المال والشرف: المال أن يكون الإنسان غنياً ، لكن ربما لا شرفَ له ، ولا مكانةَ بين الناس ، وهناك مَنْ له شرف وسيادة ، وليس له مال .
ونلحظ أنهم ارتقوْا في مساومة رسول الله من المال إلى الشرف والسيادة ، ثم إلى الملْك . فماذا كان موقفه صلى الله عليه وسلم ؟ كان موقفه هو الموقف الذي مهَّد الله له به ، حينما عرض عليه جبريل عليه السلام أن يجعل الله له جبال مكة ذهباً ، فقال صلى الله عليه وسلم:"بل أشبع يوماً فأشكر ، وأجوع ثلاثة أيام فأتضرع".
وفي موقف آخر ، قال له جبريل:"يُخيِّرك ربك أن تكون نبياً ملكاً ، أو نبياً عبداً فقال: بل نبياً عبداً".
والنبي مالك منهج السماء ، والملك الذي يملك السيطرة بحيث لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه ، مثل سليمان عليه السلام ، حيث آتاه الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، ومع ذلك لم يكن هذا الملْك هو المطلوب في ذاته ، بدليل أن سليمان عليه السلام مع ما أوتية من الملْك كان لا يأكل إلا الخوشكار يعني: الخبز الأسمر غير النقي (الردَّة) في حين يأكل عبيده ومواليه الدقيق الفاخر النقي ، فلم يكن سليمان يريد الملْك لذاته ، إنما ليقْوَى به على دعوته ، فلا يعارضه فيها أحد .
لذلك ، لما أرسلتْ إليه ملكة سبأ بهدية لتستميله بها وتَصْرفه عما يريد رَدّ عليها: {فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتان الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36] .