لذلك لا يمتن الله علينا بدخول الجنة فحسب ، إنما أيضاً بالنجاة من النار ، فيقول سبحانه: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185] .
فالحق سبحانه وتعالى يذكر لنا النار ، وأن من صفاتها كذا وكذا ، أما في الآخرة فسوف نراها رَأْي العين ، كما قال سبحانه: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين} [التكاثر: 7] وذلك حين تكون على الصراط ، فتحمد الله على الإسلام الذي أنجاك من النار ، وأدخلك الجنة ، فكل نعمة منها أعظم من الأخرى .
وفي قوله تعالى: {قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد} [الفرقان: 15] كلمة خير في اللغة تدور على معنيين: خير يقابله شَرٌّ ، وخير يقابله خير أعظم منه . كما جاء في الحديث الشريف:"المؤمن القوي خير وأَحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كُلٍّ خير"فكلاهما فيه خير ، وإن زاد الخير في المؤمن القوي ، وعادة ما تأتي (من) في هذا الأسلوب: هذا خير من هذا .
أما الخير الذي يقابله شر ، فمثل قوله تعالى: {أولئك هُمْ خَيْرُ البرية} [البينة: 7] .
والجنة كما نستعملها في استعمالات الدنيا ، هي المكان المليء بالأشجار والمزروعات التي تستر السائر فيها ، أو تستر صاحبها أنْ ينتقلَ منها إلى خارجها ؛ لأن بها كل متطلبات حياته ، بحيث يستغني بها عن غيرها ، لذلك أردفها الحق تبارك وتعالى بقوله {الخلد} [الفرقان: 15] .
إذن: فالجنة التي تراها في الدنيا مهما بلغت فليست هي جنة الخلد ؛ لأنها لا بد إلى زوال ، فعُمرها من عُمْر دُنْياها ، كأنه سبحانه يقول لكل صاحب جنة في الدنيا: لا تغترْ بجنتك ؛ لأنها ستؤول إلى زوال ، وأشدّ الغم لصاحب السرور أنْ يتيقن زواله ، كما قال الشاعر:
أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدي فِي سُرُورٍ ... تَيقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُه انْتِقَالاَ