قال الزجاج: وانتصابه على المصدرية أي: ثبرنا ثبوراً ، وقيل: منتصب على أنه مفعول له ، والمعنى: أنهم يتمنون هنالك الهلاك ، وينادونه لما حلّ بهم من البلاء ، فأجيب عليهم بقوله: {لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا} أي: فيقال لهم هذه المقالة ، والقائل لهم هم الملائكة أي: اتركوا دعاء ثبور واحد ، فإن ما أنتم فيه من الهلاك أكبر من ذلك ، وأعظم ، كذا قال الزجاج {وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً} والثبور مصدر يقع على القليل والكثير ، فلهذا لم يجمع ، ومثله ضربته ضرباً كثيراً ، وقعد قعوداً طويلاً ، فالكثرة ها هنا هي بحسب كثرة الدعاء المتعلق به ، لا بحسب كثرته في نفسه ، فإنه شيء واحد ، والمعنى: لا تدعوا على أنفسكم بالثبور دعاء واحداً ، وادعوه أدعية كثيرة ، فإن ما أنتم فيه من العذاب أشدّ من ذلك لطول مدّته ، وعدم تناهيه ، وقيل: هذا تمثيل وتصوير لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول ، وقيل: إن المعنى: إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً بل هو ثبور كثير ، لأن العذاب أنواع ، والأولى أن المراد بهذا الجواب عليهم: الدلالة على خلود عذابهم ، وإقناطهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المنجي لهم مما هم فيه.
ثم وبّخهم الله سبحانه توبيخاً بالغاً على لسان رسوله ، فقال {قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد التي وَعِدَ المتقون} والإشارة بقوله {ذلك} إلى السعير المتصفة بتلك الصفات العظيمة أي: أتلك السعير خير أم جنة الخلد؟ وفي إضافة الجنة إلى الخلد إشعار بدوام نعيمها ، وعدم انقطاعه ، ومعنى {التي وُعِدَ المتقون} : التي وعدها المتقون ، والمجيء بلفظ خير هنا مع أنه لا خير في النار أصلاً ، لأن العرب قد تقول ذلك ، ومنه ما حكاه سيبويه عنهم ، أنهم يقولون: السعادة أحبّ إليك أم الشقاوة؟ وقيل: ليس هذا من باب التفضيل ، وإنما هو كقولك: عنده خير.
قال النحاس: وهذا قول حسن.
كما قال: