ماذا يقولون فيه؟ أيقولون إنه باطل وقد كبروا ما هو دونه من قصيد ورجز ، إن فِي ذلك كانت الحيرة ، وهم من الناحية البيانية لم يتهافتوا ولم يسفوا فِي القول ؛ وإذا كان فيهم حمقى حاولوا أن يجاروه ، أو ادَّعَوْا أنهم يجارونه ، وعرضوا ما قالوا ، فنال الاستضحاك والسخرية ، وزاد القرآن الكريم مكانة وتقديرًا ، وما كان لأمثال أبي سفيان والوليد بن المغيرة أن يسفّوا بأنفسهم ذلك الإسفاف ، بل إنَّه لم يسف إلى هذا عمرو ابن هشام"أبو جهل"؛ لأنه يعلم مقدار علوِّه ، فلا يتهافت إلى إنكار مكانته فِي البيان ، فهو يستبيح أذى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأذى أصحابه ، ولا يستبيح الطعن فِي مقام القرآن البياني ؛ لأنه يلحقه الطعن بالأذى والتصغير ، ولا يلحق محمدًا الذي نزل القرآن عليه ، وخاطب به الناس أجمعين ، ولنذكر لك أخبار من سمع القرآن ، وخرَّ بين يديه صاغرًا مع شدة العداوة والملاحاة واللدد والخصومة ، والبقاء على الكفر ، والإصرار على الشرك.
29 -"أ"سمعه الوليد بن المغيرة فرقَّ له رقة لم تعرف فيه نحو الإسلام ، فخشي أبو جهل"عمرو بن هشام"أن يسير فِي الطريق القويم إلى الإسلام ، فأنكر عليه أبو جهل حاله ، ولكنه لم يستطع أن يقول فِي القرآن شيئًا ، فقال له الوليد:
"والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار مني ، أعرف رجزها وقصيدها ، والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من ذلك ، إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، ما يقول هذا بشر".
ولقد اجتمعت قريش عند الوليد يتذاكرون ، ماذا يقولون فِي القرآن وقد رأوا العرب يفدون ، ويستمعون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ، فيبلغ القرآن منهم أعماق نفوسهم ، فكيف
يصدونهم عن ذكر الله ، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ، فأثمروا واجتمعوا حول الوليد ، ليتعلَّموا ماذا هم قائلون لمنع الحق ، وقد قال لهم أولًا الحق على ريب فِي نفسه.