اعتمد أولًا على الحق الذي يدعو إليه ، فالحق ذاته قوة لا تعدلها قوة عند النفوس التي لم تتعوج بمفاسد العصبية ، أو التقليد المصم عن الحق ، فذكر لهم التوحيد ، وقد كانوا على إدراك له فِي الجملة ، كما بيَّنَّا عند الكلام فِي القسم التاريخي عن بقاء بعض المأثورات عن إبراهيم - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتمَّ التسليم.
وكان التنبيه إلى أنَّ الأوثان لا يعقل أن تعبد ، وإزالة ما حولها من أوهام ، وما علق بها من خرافات ما أنزل الله بها من سلطان ، وقد بَيِّنَ ذلك محمد - صلى الله عليه وسلم - على أكمل وجه.
واعتمد مع نور الحق فِي ذاته على نور القرآن المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فهو فِي هدأة الداعي الرشيد يدعوهم إلى هجر عبادة الأوثان ، ويقرأ عليهم القرآن الكريم ، ففي دعوة الحق وفي القرآن البرهان القاطع والضوء اللامع.
كانوا ينفرون من الحقِّ المجرَّد ؛ لأنه يخالف ما ألفوا ، وما وجدوا عليه آباءهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] .
ولكنَّهم إذا استمعوا إلى القرآن تحيَّرت الأفهام ، واضَّطربت أحوالهم بين قديم ألفوه ، وحقّ فِي القرآن عرفوه ، فهم يحاورون فِي الحق ، ولكن لا يدرون ماذا يدفعون به القرآن الذي يحمله ويدعو إليه وإلى ما جاء به ، وإنهم بذوقهم البياني يجدون أنه فوق كل كلام ، ولا يمكن أن يجري به لسان من ألسنتهم وأمثالهم ، بل لا يمكن أن يأتيبه محمد من عنده ؛ لأنهم من قبل عرفوا كلامه ، وقد رأوه عاليًا فِي جوامع كلمه ، ولكنَّ القرآن أعلى من طاقة الإنسان ومن طاقة محمد ذاته.