فإن سور القرآن مع كونها فِي أنفسها رُتباً من حيث الفضلُ والشرفُ أو من حيث الطولُ والقِصَر ، فهي من حيث انتظامُها مع أخواتها فِي المصحف مراتبُ يرتقي إليها القارئ شيئاً فشيئاً. وقيل: واوها مُبدلةٌ من الهمزة ، فمعناها البقيةُ من الشيء ، ولا يخفى ما فيه. ومن فِي قوله تعالى: {مّن مّثْلِهِ} بيانيةٌ متعلقة بمحذوفٍ وقع صفةً لسورة ، والضمير لما نزلنا ، أي بسورة كائنةٍ من مثله فِي علو الرتبة وسموِّ الطبقة ، والنظمِ الرائق والبيانِ البديع ، وحيازةِ سائرِ نعوتِ الإعجاز ، وجعلُها تبعيضيةً يوهم أن له مثلاً محققاً قد أريد تعجيزُهم عن الإتيان ببعضه ، كأنه قيل: فأتوا ببعضِ ما هو مثلٌ له فلا يُفهم منه كونُ المماثلة من تتمة المعجوز عنه فضلاً عن كونها مداراً للعجز مع أنه المراد ، وبناءُ الأمر على المجاراة معهم بحسب حُسبانِهم حيث كانوا يقولون: {لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا} أو على التهكم بهم يأباه ما سبق من تنزيله منزلةَ الريب ، فإن مبنى التهكم على تسليم ذلك منهم وتسويفِه ولو بغير جِدّ ، وقيل: هي زائدة كما هو رأيُ الأخفش ، بدليل قوله تعالى: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ} ، {بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ} وقيل: هي ابتدائية ، فالضميرُ حينئذ للمُنْزل عليه حتماً ، لما أن رجوعَه إلى المنزَلِ يوهم أن له مثلاً محققاً قد ورد الأمرُ التعجيزيُّ بالإتيان بشيء منه ، وقد عرفت ما فيه بخلاف رجوعِه إلى المنزل عليه ، فإن تحققَ مثلِه عليه السلام فِي البشرية والعربية والأمية يهوِّن الخطب فِي الجملة ، خلا أن تخصيصَ التحدي بفردٍ يشاركُه عليه السلام فيما ذكرَ من الصفات المنافية للإتيان بالمأمور به لا يدلُّ على عجز مَنْ ليس كذلك من علمائهم ، بل ربما يوهم قدرتَهم على ذلك فِي الجملة فرادى أو مجتمعين ، مع أنه يستدعي عراءَ المُنْزَل عما فُصِّل من النعوت الموجبةِ لاستحالة وجود مثلِه ، فأين هذا من تحدي أمةٍ جمّةٍ