وقيل: إن هذه الآية مدنية ، وهي في القصاص والجراحات.
والإشارة بقوله: {ذلك بِأَنَّ الله يُولِجُ اليل فِي النهار} إلى ما تقدّم من نصر الله سبحانه للمبغيّ عليه ، وهو مبتدأ وخبره جملة: {بأن الله يولج} ، والباء للسببية ، أي ذلك بسبب أنه سبحانه قادر ، ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل ، وعبر عن الزيادة بالإيلاج ، لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر ، والمراد تحصيل أحد العرضين في محل الآخر.
وقد مضى في آل عمران معنى هذا الإيلاج {وَأَنَّ الله سَمِيعٌ} يسمع كلّ مسموع {بَصِيرٌ} يبصر كلّ مبصر ، أو سميع للأقوال مبصر للأفعال ، فلا يعزب عنه مثقال ذرة.
والإشارة بقوله: {ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق} إلى ما تقدّم من اتصافه سبحانه بكمال القدرة الباهرة والعلم التام ، أي هو سبحانه ذو الحق ، دينه حقّ ، وعبادته حقّ ، ونصره لأوليائه على أعدائه حقّ ، ووعده حقّ ، فهو عزّ وجلّ في نفسه وأفعاله وصفاته حقّ {وَإِن مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الباطل} قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وشعبة"تدعون"بالفوقية على الخطاب للمشركين ، واختار هذه القراءة أبو حاتم.
وقرأ الباقون بالتحتية على الخبر ، واختار هذه القراءة أبو عبيدة.
والمعنى: إن الذين تدعونه إلها ، وهي الأصنام ، هو الباطل الذي لا ثبوت له ولا لكونه إلها {وَأَنَّ الله هُوَ العلي} أي العالي على كلّ شيء بقدرته المتقدّس على الأشباه والأنداد المتنزه عما يقول الظالمون من الصفات {الكبير} أي ذو الكبرياء ، وهو عبارة عن كمال ذاته وتفرّده بالإلهية.
ثم ذكر سبحانه دليلاً بيناً على كمال قدرته ، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً} الاستفهام للتقرير ، والفاء للعطف على {أنزل} وارتفع الفعل بعد الفاء لكون استفهام التقرير بمنزلة الخبر كما قاله الخليل وسيبويه.