وفي هذا من الامتنان عليهم والتبشير لهم ما لا يقادر قدره ، فإن المدخل الذي يرضونه هو الأوفق لنفوسهم والأقرب إلى مطلبهم ، على أنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وذلك هو الذي يرضونه وفوق الرضا {وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ} بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم {حَلِيمٌ} عن تفريط المفرطين منهم لا يعاجلهم بالعقوبة.
والإشارة بقوله: {ذلك} إلى ما تقدّم.
قال الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصة إذا قتلوا أو ماتوا ، فهو على هذا خبر مبتدأ محذوف ، ومعنى {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} : من جازى الظالم بمثل ما ظلمه.
وسمي الابتداء باسم الجزاء مشاكلة كقوله تعالى: {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} [الشورى: 40] .
وقوله تعالى: {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] .
والعقوبة في الأصل إنما تكون بعد فعل تكون جزاء عنه.
والمراد بالمثلية: أنه اقتصر على المقدار الذي ظلم به ولم يزد عليه ، ومعنى {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ} : أن الظالم له في الابتداء عاوده بالمظلمة بعد تلك المظلمة الأولى.
قيل: المراد بهذا البغي: هو ما وقع من المشركين من إزعاج المسلمين من أوطانهم بعد أن كذبوا نبيهم وآذوا من آمن به ، واللام في {لَيَنصُرَنَّهُ الله} جواب قسم محذوف ، أي لينصرن الله المبغيّ عليه على الباغي {إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أي كثير العفو والغفران للمؤمين فيما وقع منهم من الذنوب.
وقيل: العفو والغفران لما وقع من المؤمنين من ترجيح الانتقام على العفو.
وقيل: إن معنى {ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ} أي ثم كان المجازي مبغياً عليه ، أي مظلوماً ، ومعنى ثم تفاوت الرتبة ، لأن الابتداء بالقتال معه نوع ظلم كما قيل في أمثال العرب: البادي أظلم.