عاصم في رواية أبي بكر (وليوفوا نذورهم) [الحج / 29] مشدّدة الفاء ساكنة اللام . وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: وليوفوا خفيفة ساكنة اللام غير ابن عامر فإنه كسر اللام .
قال أبو علي: (وليوفّوا) حجّته: وإبراهيم الذي وفي [النّجم / 37] وسكون اللام قد تقدم القول فيه .
وحجة وليوفوا قوله: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم [النحل / 91] . وأوفوا بالعقود [المائدة / 1] والأكثر في التنزيل
وأوفوا ، ووفّي وأوفي ووفي لغات مستعملة ، قال الشاعر:
أما ابن طوق فقد أوفي بذمّته ... كما وفي بقلاص النجم حاديها
[الحج: 31]
وقرأ نافع وحده: (فتخطفه) [الحج / 31] مشدّدة الطاء . وقرأ الباقون: فتخطفه خفيفة .
قالوا: خطف يخطف ، وخطف يخطف ، وهذه أعلى ، فأما قول نافع: (فتخطّفه الطّير) فإنما هو: تتخطّف تتفعّل ، من الخطف ، فحذف تاء التفعل فصار: فتخطّفه ، وتخطّف في كلتا القراءتين حكاية حال تكون ، والمعنى في قوله: (فتخطّفه الطير أو تهوي به الرّيح في مكان سحيق) أنه قوبل به قوله: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها [البقرة / 256] فكما كان المؤمن في إيمانه متمسّكا بالعروة الوثقى ، كان المشرك بعكس ذلك الوصف ، فلم يتمسّك لكفره وشركه بشيء يتعلّق به ، ولم يتمسّك بماله فيه أمان من الخرور ونجاة من الهوى واختطاف الطير له ، كالمؤمن المتمسّك بإيمانه ، فصار كمن خرّ من السماء ، فهوت به الريح ، فلم يكن له في شيء من ذلك متعلّق ولا معتصم فيكون له ثبات ، ومثل هذا قول الشاعر:
ولمّا رأيت الأمر عرش هويّة ... تسليت حاجات النفوس بصيعرا
فالعرش مكان المستقي والماتح ، وليس بموضع طمأنينة ولا استقرار إلّا على الخطر وخلاف الثقة بالموقف ، يقول: لما رأيت الأمر لإثبات بعدت منه ، وقريب منه قول الآخر:
فلا يرمى بي الرّجوان إنّي ... أقلّ القوم من يغني غنائي