عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: لما رأيتُ من النبي صلى الله عليه وسلم طيب نفس، قلت: يا رسول الله، ادعُ الله لي، فقال: (( اللهم اغفر لعائشة ما تقدَّم من ذنبها وما تأخَّر، ما أسرَّت وما أعلنَتْ ) )، فضحكت عائشة حتى سقط رأسُها في حجرها من الضحك، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أيسرُّك دُعائي؟ ) )، فقالت: وما لي لا يسرُّني دعاؤك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (( والله إنها لدُعائي لأُمَّتي في كل صلاة ) ) [11] .
ثانيًا: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأُمَّته بعد موتهم وفي الدار البرزخية:
ومِن صور رحمته صلى الله عليه وسلم بأُمَّته رحمته بهم وهم في قبورهم؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يخرج إلى المقابر، ويسلِّم ويدعو لأهلها بالرحمة والمغفرة؛ تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: (( السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ) ) [12] .
من هنا تبيَّن من خلال حديث أُمِّنا عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يُكرِّر الزيارة، وهذا من شفقته وكمال رحمته صلى الله عليه وسلم.
وخرج صلى الله عليه وسلم يومًا، فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: (( إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها ) ) [13] .
فحتى بعد مرور ثماني سنوات كاملة ما زال مشغولًا بأهل أحد، وبالصلاة عليهم والدعاء لهم، وكان صلى الله عليه وسلم يرشد أُمَّته إلى الدعاء النافع للأموات، فنجده صلى الله عليه وسلم يُخبرنا أن الدعاء ينفع الميت في قبره رحمة بالأموات؛ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله، إلَّا من ثلاثة أشياء: من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) )" [14] ."