...إذا كان مفهوم الرحمة قد تمثل في إنسانية الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) ، فإنه من دون شك لم ينسب هذا الأمر بمعناه الراقي والسامي كما انعكس من خلال استعرضناه حول مفهوم الرحمة المحمدية، ولم يكن إلا وفقا لما قررته المصادر الشرعية المتمثلة في الكتاب الكريم، والسنة المطهّرة، وهي من دون شك كثيرة. لا سيّما وأن مجمل تصرفاته وأفعاله وتقريراته كان تتسم بالرفق واللين والشفقة على أمته وعلى الإنسانية جميعا.
...وحتى تتضح صورة المفهوم على نحو يقرر التأكيد في العقل على ما سبق أن قرر حول الرحمة المحمدية، يتسلّط الضوء من خلال هذا المبحث على الدلائل التي عكست المعاني السامية للرحمة المحمدية كما تمثلت في المواقف التي انعكست على أرض الواقع، وذلك على النحو التالي.
أولا: الدلائل القرآنية
...لقد امتن الله سبحانه وتعالى على العالم عندما بعثه إليهم رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) برجل يمسح آلامهم، ويخفف أحزانهم، ويرثي لخطاياهم، ويستميت في هدايتهم، ويأخذ بناصر الضعيف، ويقاتل دونه قتال الأم عن صغارها، ويخضد شوكة القوي حتى يردّه إنسانا سليم الفطرة لا يضرى ولا يطغى. فأرسل محمدا (صلى الله عليه وسلم) ، وسكب في قلبه الحلم والعلم، وفي خلقه من الإيناس والبر، وفي طبعه السهولة والرفق، وفي يده من السخاوة والندى، وما جعله أزكى عباد الله رحمة، وأوسعهم عاطفة، وأرحبهم صدرا. (90) ، وأول ما يذكر من الآيات القرآنية التي قررت ذلك قوله تعالى.
"...قال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر} . (91) "
إن القلوب الكبيرة قلّما تستجيشها دوافع القسوة، فهي أبدا إلى الصفح والحنان أدنى منها إلى الحفيظة والاضطغان.
...إن القسوة في خلق الإنسان دليل نقص كبير، وفي تاريخ الأمة دليل فساد خطير، فلا عجب إذا حذّر الإسلام منها واعتبرها علّة الفسق عن أمر الله، وسر الشرود عن صراطه المستقيم.