ومن خلال ذلك فإن ما يتقرر من خلال استقراء حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقرر بأن التعبير عن الإنسانية من خلال الانطلاق في تمثل خلق الرحمة في الوجدان النبوي كان على درجة راقية من الإنسانية. لا سيّما وأن الرحمة بمعانيها التي تقررت استنتاجا لما توصل إليه أهل اللغة لا يمكن أن يستثمرها الإنسان في مجال ما قبل أن تكون متأصلة في ذاته وشخصه. ولعل الاستنتاج من ذلك يقود إلى أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) قد أتقن عكس توظيف مدى الانغراس للرحمة في ذاته وشخصه باعتبارها سجيّة من أبرز سجاياه على منهجيته وأسلوبه في الدعوة إلى دين الله تعالى المكلّف بها.
ويقرر مصطفى ثغرة بأن الرفق والرحمة كان مما رفع الله به ذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وهو ما تقرر في تأكيده على أن الرفق ما حلّ في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
لقد كان من رفقه في تربية أصحابه أن لا يعنّف من أخطأ منهم، كما كان يأتي الناس من جهة ما يعرفون، ليصل بهم إلى ما يُنكرون. فلا يمنع الشر بالقوة إذا أغنت الكلمة، ولا يرشد الناس بما يعلوا على مداركهم وأفهامهم. بل يجري في مجاري حديثهم، ويرفق بهم، ويضرب لهم الأمثال التي تقرّب لهم الحقيقة إلى أذهانهم.
إنه المربي المثالي إذا جعل هدفه أسمى من الانتقام والعقاب، ومن الانتصار للذات، فقد أدى مهمته بنجاعة، وتغلّب على كل العقبات.
لقد كانت وصيته بالإحسان إلى المسيء، وترجم عن ذلك بمواقفه، فتجسّمت في سيرته، لتصنع المثالية في نفوس الأفراد والجماعات، وذلك أبلغ من مئات الدروس والعظات.
إن تذكير المسيء بإساءته قد يغرق شعوره في الإثم، وقد يعنّته فتأخذه العزة بالإثم، فكان (صلى الله عليه وسلم) حين يرى ما لا يحب من أصحابه لا يردّهم عن خطئهم أمام الناس لئلا يحرجهم ويضايقهم، ولكنه يعمّم الخطاب في التوجيه.