...ولعل ما يتأكد من خلال ما أورده أهل اللغة بأن الرحمة اسم جامع للعطف، والشفقة، ورقة القلب، والمغفرة، والإحسان، والصلة، وما يستنتج هو أن الرحمة ما هي إلا تعبير عن اللين في المعاملة، والرفق مع الآخر....
ثانيا: مفهوم الرحمة المحمدية
...يطرح الفكر الإسلامي معنى الرحمة حسب الثابت من استقراء النصوص الشرعية على أنها مفتاح للعلاقة في الفلسفة الإسلامية، إذ لا يمكن فصل المنهج الإسلامي والتركيبة الأيديولوجية للفكر الإسلامي دون صبغها وتجملها بالرحمة، والتي تستقى من واقع حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وتصرفاته.
ومن هنا فإن أحمد عسّاف يقرر بأن الله سبحانه وتعالى قد وسع كل شيء رحمة وعلما، فكان بذلك أن سرت صفة الرحمة في أرجاء الوجود على نحو لم تدع منه شيئا، وهي أساس علاقة الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين، وفضله عليهم، وبره بهم.
إن الرحمة المطلقة شارة الكمال المطلق، وعلى قدر حظ الإنسان من هذا الوصف الجميل تكون عظمته، ومن هنا كان الأنبياء (عليهم السلام) أرحم الناس، وكان خاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وسلم) أوفرهم نصيبا من هذا الخلق العالي.
ولا شك أن رحمته الغامرة هي التي جعلته يألف طباعهم، ويقرّب بعيدهم. ولولا بشاشته التي لا تنطفئ، ورقّته التي لا تفيض ما استطاع أن يؤلّف هذه الجموع، ويعتقد أن هذا أعظم مظهر للرحمة في شخص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .
فلا عجب إذا كانت رسالته رحمة للعالمين، وكانت تعاليم هذه الرسالة ينبوعا جيّاشا بكل ما تحتاج إليه الإنسانية من حب وإيناس ومودّة. وقد أمر الإسلام بالتراحم العام، وجعله دلالة الإيمان الكامل، واليقين الصادق، فالمسلم يلقى الناس كلهم، وفي قلبه عطف كامن وبر خالص، وهذا ما قرره الرسول (صلى الله عليه وسلم) في أقواله وأفعاله وتقريراته، فمن لا يرحم الناس لا يرحمه الله.
إن مواطن الرحمة قد اجتمعت كله في شخصه الكريم، فقد رحم اليتامى، والأرامل، والأطفال، وأحسن في معاملة الأشخاص الذين يعاملهم. (86) ، فكان بذلك وبفضل هذا الخلق جامعا لكل خلق كريم نتيجة الرحمة التي كانت تملأ قلبه، فكان بفضلها، وكانت بفضله هداية للناس.