تعتبر الرحمة في منظومة الأخلاق المحمدية هي العمود الفقري الذي تقوم عليه مجمل التصرفات الأخلاقية التي بدرت من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، أو بمعنى آخر منظومة الأخلاق المحمدية. وقد تأكّد ذلك من خلال ما سبق أن استعرضناه من دلائل تقرر ذلك.
إن هذه المنظومة قررتها الآيات القرآنية، والأقوال والأفعال والتقريرات النبوية، كما أن لها فلسفة تقوم عليها كمنهج في حياة المسلم، حيث لا تقوم لحياته قائمة، ولا يكون لها معنى إلا إذا تزينت أفعاله وتصرفاته بطيب الأخلاق، ولا يمكن اقتفاء هذه الأخلاق إلا من خلال تمثلها في شخص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وانعكاسها على واقع حياته.
...ولعل المقام في هذا الفصل، بعد أن تحقق تقريب الرؤية حول مفهوم الرحمة المحمدية، ومقامها كأحد الأخلاق النبوية ومنزلتها بين هذه الأخلاق يتطلب منا أن نعرّف بهذا الخلق السامي الذي يصب فيه انعكاس الأخلاق المحمدية الراقية. حيث نستعرض في بداية المقام، ومن خلال المبحث الأول تعريفا بمفهوم الرحمة كما تناوله أهل اللغة، وكما عكسه الفكر المسلم من خلاله فهمه للطرح النبوي لهذا الخلق العظيم.
...كما نحاول أن نسلّط الضوء من خلال المبحث الثاني من هذه الفصل على الأدلة التي تقرر هذا المفهوم، وهذا الخلق النبوي الكريم في القرآن العظيم، وفي السنة النبوية المشرفة.
المبحث الأول
مفهوم الرحمة المحمدية
أولا: الرحمة عند أهل اللغة
...يورد أهل اللغة في قاموس (منجد الطلاب) معنى الرحمة تحت التصريف الثلاثي: (رحم) ، {رَحِمه - رحمَة - مرحمة - رُحما - رُحُما} ، رق له، وشفق عليه، وتعطّف وغفر له.
...وتقول (استرحمه) استعطفه، و (الرَحْمة، والرُحََمي، والرُحم) رقة القلب، وانعطاف يقتضي المغفرة والإحسان. و (الراحم والرحوم) هو من يرحم. (84)
...أما في مختار الصحاح فقد ورد فيه معنى الرحمة بمعنى الرقة والتعطّف، كما ورد بأن (الرَّحِم) وهي القرابة مشتقة من الرحمة. (85)