كما أن عفوه وحلمه تقرر معنى آخر، ومظهرا آخر من مظاهر الرحمة، إذ يستعصي على صاحب القلب القاسي، والذي يمارس القسوة في تصرفاته ولا يمتلك أي رحمة أن يكون عفوا أو حليما.
أما حياؤه فنابع من لين عريكته مع أصحابه، ومدى رفقه بهم، فلو لم يكن رفيقا في علاقته، رحيما في تصرفاته لما كان حييا.
وبالنسبة لتواضعه فإن قاسي القلب مفتقد الرحمة لا يتواضع للناس، وهو بذلك يفتقد بتكبره على الناس أي رفق بهم واعتناء.
كما أن برّه ووفاؤه يقرر مدى لينه في علاقته بأهله، وتقديره لصلته بهم، ولولا أن في قلبه رحمة تتسع لذلك لما تأتى منه خلق البر والوفاء.
إن جوده (صلى الله عليه وسلم) ، ويده الممتدة في كل وقت وحين للفقراء والمحتاجين صفة لا تتأتى من صاحب القلب القاسي، والذي يفتقد جوانب الإحسان التي يتطلبها الجود في المرء.
وبسبب خلو قلبه من القسوة والجفاء تجده عادلا وورعا. كما أن زهده وإعراضه عن الدنيا تنبع من عميق الرحمة في قلبه، ويؤكد على ذلك أيضا ما كان عليه في مزاحه، ضحكه و تبسمه، وهي صفات تقرر مدى العطف والرفق في قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في تعامله مع البشر.
إن صاحب القلب القاسي، والذي يمتلك مساحة شاسعة من الجفاء والغلظة في تصرفاته وأفعاله لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتأتى منه هذه الأخلاق جميعا، بل إن ذلك يعد من قبيل المحال.
...ولا شك أن ما ذكر وقرر من صفات تمتع به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تؤكد مدى المساحة الشاسعة للرحمة التي كانت في قلبه (صلى الله عليه وسلم) من خلال تعاملاته مع البشر. ولا ينكر رحمة الرسول ومظاهرها إذا تأكد له تمتعه بهذه الأخلاق الطيبة والحميدة إلا منكر جاحد يكذّب حقائق الواقع، وما تؤكده كتب التاريخ التي أوردت سيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) العطرة.
الفصل الثاني
مفهوم الرحمة المحمدية ودلائلها