"...عفوه وحلمه: فقد أمره الله بالعفو في قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} . (49) "
فكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أعظم الناس عفوا، وأرجح الناس حلما. وكان يصبر على أذى المنافقين والمشركين، ويعفو عنهم. ولم يقتصر الخير في ذلك على نفسه، بل كان يعلمه أصحابه.
ويدل على هذا الخلق ما رواه أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: (كنت أمشي مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أثرت به حاشية الرداء من شدّة جذبته، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء). (50)
كما كان حلمه سببا في محبة الناس له وإيمانهم به، وليس أدل على ذلك أن أهل مكة أسلموا عند عفوه عنهم، بل إن هذا الخلق لم يكن أمرا عارضا يظهر في المناسبات دون غيرها، ولم يكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتكلّف الظهور به، وإنما كان مجبولا عليه.
إلا أن حلمه كان ينتهي حين تنتهك حرمات الله، فينتقم لله عز وجل، ويدلل على ذلك ما ورد عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: (ما خيّر رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله عز وجل). (51)
"...حياؤه: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أشد الناس حياء، ويؤكد على ذلك قول الله تعالى: {إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق} . (52) "
عن أبي سعيد الخدري قال: (كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه). (53)
ولشدّة حيائه وسخائه كان لا يسأل شيئا فيمنعه، ويؤكد على ذلك ما رواه سهل بن سعد (رضي الله عنه) قال: (كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) حييا لا يسأل عن شيء إلا أعطى). (54)