إن ما سبق أن أوردنا من مواطن حسن خلق المصطفى (صلى الله عليه وسلم) من خلال استقراء نور من سيرته قد أكد لنا مدى الكمال الذي ظهر عليه الرسول (صلى الله عليه وسلم) كإنسان قبل أن يكون كداعية. ولعل البسط يقتضي في المقام التالي أن يكون فيه استعراض لعدد من الأخلاق المحمدية الشريفة، ومدى ارتباطها بالرحمة التي هي منبع لمحاسن الأخلاق في ذاته الشريفة.
ثالثا: نماذج من أبرز الأخلاق المحمدية، وارتباطها بالرحمة.
...تبرز في شخصية محمد (صلى الله عليه وسلم) الإنسان عددا من الأخلاق التي تستمد وجودها من الأساس الطيب الذي نشأ عليه، فهو نبي أدبه ربه فأحسن تأديبه على الخير. ويكون الاستعراض في هذا المقام للعدد من أبرز الأخلاق المحمدية؛ وذلك كي نثبت أن هذه الأخلاق في نهاية المقام مرتبطة بخلق الرحمة الذي امتاز به النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كونه من أولي العزم من الرسل. ولعل في هذه الأخلاق نوع من التداخل الذي يوجد صعوبة في تمييز أحدها عن الآخر.
"...كمال لطفه (صلى الله عليه وسلم) ، ولين عريكته: فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليّن، الجانب، سهل الخلق، حسن المعاشرة مع الأهل والأصحاب وسائر الناس. يعطي جليسه حظا كبيرا من الانبساط والملاطفة وحسن المقابلة."
لقد كان أجود الناس صدرا، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، فلم يكن لا فاحشا ولا متفحّشا، ولا سبابا، ولا لعّانا. لقد كان أشد الناس لطفا.
كما كان (صلى الله عليه وسلم) كريم العشرة مع زوجاته وسائر أهله، يلاطفهنّ، ويمازحهنّ، ويعاملهنّ بالودّ والإحسان، فكان من خير الناس لأهله، وألطف الناس بأهله. بسّاما ضحّاكا، لم ير قطّ مادّا رجليه بين أصحابه؛ وذلك لعظيم أدبه، وكمال وقاره.
...وكان يعاون أهله في الأمور البيتية، ولذلك فهو يوصي بالنساء خيرا في مناسبات متعددة، وفي مجتمعات خاصة وعامة. (48)
...ولعل في ما سبق ذكره دليل على لين العريكة وكمال اللطف، ولا شك أن لين العريكة وكمال اللطف نابعة من رحمة القلب وطيب النفس. فهاتان الصفتان لا تتأتيان فيمن يعاني من قسوة القلب، ويعاني من فقدان الشفقة في قلبه.