ثانيا: أخلاق النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في عهد الرسالة.
...إذا كان المصطفى (صلى الله عليه وسلم) قبل البعثة من أحسن الناس خلقا، فإن هذا الأمر لم ينفك عنه أبدا بعد عهد الرسالة، بل كان بروزه على شخصيته وتصرفاته وأفعاله بروزا واضحا. إذا كان يطوّع حسن الأخلاق تحقيقا للمهمة الرئيسة في حياته، والمتمثلة بدعوة الناس إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
...لقد أصبح توجهه في حسن الخلق موقع إثابة من الله سبحانه وتعالى في تطويعه لذلك سواء في دعوته، أو في إظهار شخصه وذاته أمام الناس. إذ من المستحيل أن يستثمر حسن خلقه في الدعوة دون أن تكون تصرفاته وأفعاله مقررة لتأصل الأخلاق الفضيلة في ذاته.
...لقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) أحسن الناس خلقا، ولم يكن حسن خلقه تكلفا وتجملا بين الناس، وإنما كان سجيّة متأصّلة في نفسه، ملازمة له في أحواله كلها، فالله سبحانه وتعالى جبله عليها.
...لقد تأدب بآداب القرآن كما سبق أن استعرضنا تصوير القرآن لفلسفة الأخلاق، كما أن عبد الله بن عمرو قال: (لم يكن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فاحشا ولا متفحشا، وإنه كان يقول: إن خياركم أحسنكم أخلاقا). (31)
...وقال علي (رضي الله عنه) في وصفه: (كان أوسع الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة(32) ، وأكرمهم عشرة). (33)
...لقد كان حسن العشرة مع أصحابه، كما كان حسن العشرة مع أهل بيته، فمن دلائل حسن عشرته لأصحابه ما يرويه أنس (رضي الله عنه) قال: (كان إذا لقي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) واحدا من أصحابه قام معه، فلم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينزع عنه). (34)
...وعن أنس قال: (لما قدم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) المدينة أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله إن أنسا غلام كيّس فليخدمك. قال: فخدمته في السفر والحضر، والله ما قال لي لشيء لم صنعت هذا كذا؟، ولا لشي لم لم تصنع هذا هكذا).