...وحتى يثبت هذا الأمر بعين اليقين يتعين في هذا المقام بسط ما يدلل على ذلك، فالسعي متحقق في هذا المبحث لإثبات مدى تأصل محاسن الأخلاق في واقع الحقيقة المحمدية تأصلا ذاتيا منفصلا عن تصرفاته كداعية، وأن ما طوّعه من حسن خلقه كداعية انطلق فيه مما هو متأصل في ذاته أصلا مما جبله الله عليه.
...يتأتى التأكيد على هذه الحقيقة من خلال تسليط الضوء على عدد من النقاط، ففي بداية المقام يكون الاستعراض لواقع أخلاق المصطفى (صلى الله عليه وسلم) قبل البعثة، وهي غالب عمره وحياته، وكيف تأصلت محاسن الأخلاق في تصرفاته في هذه المرحلة.
...كما يكون التناول لواقع أخلاقه بعد البعثة في القسم الثاني من هذا المبحث، وكيف كانت تصرفاته الشخصية كداعية ورسول تدلل على كمال خلقه، وكرم تصرفاته، وكيف طوّع هذه الأخلاق كسبيل لنشر دعوته ودينه بحصافة منقطعة النظير.
...وآخر محطة ستكون في هذا المبحث إكمالا لرؤية الإثبات المتمثل في التأكيد على تأصل محاسن الأخلاق في شخص الرسول (صلى الله عليه وسلم) وتصرفاته كإنسان قبل أن يكون كداعية، وهو استعراض لأبرز الأخلاق الحسنة التي تحلى بها في تصرفاته وأفعاله.
...ولعل العقل المنصف يتأتى لديه الاقتناع التام حول ما ينبغي إثباته في هذا المبحث، وكما أسلفنا بأن الرحمة هي مصب لمعظم الأخلاق المحمدية السامية، وإذا كان في هذا المبحث قد ثبتت الرؤية التي تؤكّد ثبوت محاسن الأخلاق في النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كإنسان، فإن ذلك يعكس بداهة أن ذاته الشريفة مفعمة برحمة تتسع لتستوعب معظم الأخلاق الشريفة، ومعظم التصرفات الإيجابية.
أولا: أخلاق النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في الجاهلية.
...إن من أعظم الدلائل على التأصّل الذاتي لحسن الخلق في شخص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يتميز بأفضلها حتى قبل أن يكون نبيا رسولا. لقد كان النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من أحسن الناس خلقا في الجاهلية، فكان أجود الناس، وأصدق الناس، وأفضلهم مروءة، وخيرهم جوارا وأمانة، وأوفاهم ذمّة.