...إن ما يمكن استخلاصه من خلال هذا الاستقراء للتصوير القرآني للمنهجية الأخلاقية في الإسلام يؤكد على أن الدستور الأخلاقي في الإسلام يعكس ارتباط معظم الأخلاق المحمدية التي استعرضناها في الآيات السابقة بخلق الرحمة، إذ أن أساس تمثل هذه الأخلاق في شخص الرسول (صلى الله عليه وسلم) هو اتصافه بالرحمة والشفقة على العباد، فرحمته جعلته عفوا، حليما، مشفقا، هادئا، حييا إلى غير ذلك من الصفات التي كانت اشتقاقا من واقع الرحمة المتأصل في حياته.
...وإذا كان التصوير القرآني قد عكس لنا جملة من الأخلاق المحمدية، فإن فهمها حتى تتكوّن الصورة حولها كما انعكست على الواقع النبوي ضروري بمكان؛ وذلك حتى تتعزز صورة تمثل الأخلاق الحميدة في شخص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فكماله الخلقي لم يكن أسلوبا ومنهجا لدعوته فحسب، بل كان متأصلا في ذاته الطاهرة، فهو خلوق وإن لم يكن رسول من الرسل. وبمعنى آخر كان حسن الخلق صفة لا تنفك عنه، وله جانب كبير متعلق بذاته وشخصه، وبعد أن كلّفه الله بالرسالة، وبحكم تهيّئه بالكثير من الصفات لحمله، كان له استخدام محنّك لحسن أخلاقه المتأصلة في ذاته وشخصه أصلا كأسلوب لنشر دعوته ودينه، والذي هو أساس وظيفته في الحياة.
المبحث الثاني
محاسن الأخلاق كما تمثلت في واقع الحقيقة المحمدية
...إذا كان ما سبق جزء من التصوير القرآني للفلسفة الأخلاقية التي يقوم عليها الإسلام كما انعكست على شخص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فإن من المستوجب أن نخوض أكثر في محاسن الأخلاق باستعراض جملة من الدلائل على ذلك؛ وذلك حتى تكتمل عندنا الرؤية بشكل أكبر حول محاسن الأخلاق المحمدية.
...إن واقع الأخلاق المحمدية، وبناء على ما سلف فيه التأكيد أمر متأصل في ذات وشخص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كإنسان قبل أن يكون تأصله فيه كرسول من عند الله جل وعلى. كما أن هذه الأخلاق الحميدة المتأصلة في ذاته وشخصه قد استثمرها في نشر دعوته ودينه كما أسلفنا الذكر في ذلك.