والمعنى أنك ستهلك نفسك بإعراض المشركين عن الإسلام حزنا وأسفا، وهي تدل بوضوح على شفقة النبي (صلى الله عليه وسلم) التي عمّت حتى المشركين والمكذّبين برسالته، فهو يكاد يزهق نفسه الشريفة حزنا على ضلالة المشركين وعنادهم لرسالة الإسلام، ولجّهم في غيّهم، وبقاءهم على ضلالتهم.
قال الطبرسي: (وهذه معاتبة من الله سبحانه وتعالى لرسوله على شدّة وجده، وكثرة حرصه على إيمان قومه حتى بلغ ذلك به مبلغا يقرّبه إلى الهلاك) . (15)
...وليست هذه هي الآية الوحيدة التي تثبت شفقة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، بل هناك آيات أخرى تدلل على نفس معنى هذه الآية، ولعل ذلك يقرر مدى الرقة، والشفقة، والرحمة في قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كصفة بارزة، وكخلق شامخ من أخلاقه الحميدة.
...يقول المولى عز وجل تدليلا على ذلك: {طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى} . (16) ، ويقول كذلك: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} . (17)
...وتقرر الآية السابقة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان شديد التأثّر والتأسّف والحزن على كفر المشركين، وكان يتمنّى دائما أن يهتدي هؤلاء إلى الإسلام، وينجوا بذلك من العذاب الخالد في النار، فجاءت الآية لتنهاه أيضا عن فرط تأسّفه الكبير لذلك، وأن لا يحمّل نفسه الشريفة عناء هذا الحزن والأسف. (18)
6....قال تعالى: {ولا تبسط يدك كل البسط فتقعد ملوما محسورا} . (19)
يذكر الخازن في تفسيره أن سبب نزول هذه الآية كما يروي جابر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أتاه صبي فقال: (يا رسول الله إن أمي تكتسيك درعا، ولم يكن لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) إلا قميصه فقال للصبي: من ساعة لساعة يظهر كذا، فعد إلينا وقتا آخر، فعاد إلى أمه فقالت: قل له إن أمي تكتسيك الدرع الذي عليك، فدخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا، فأذّن بلال بالصلاة وانتظره فلم يخرج فشغل قلوب أصحابه فدخل عليه بعضهم فرآه عريانا فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية). (20)
فهذه الآية تدل على ثلاث من الصفات الكريمة في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :