وثانيها: أن يكون هذا من باب التمثيل بمعنى فكانت حالته ممثلة بحالة من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه من قومه من غير انتظار لأمر الله تعالى.
وثالثها: أن تفسر القدرة بالقضاء فالمعنى فظن أن لن نقضي عليه بشدة ، وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي ، ورواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهم واختيار الفراء والزجاج ، قال الزجاج: نقدر بمعنى نقدر.
يقال: قدر الله الشيء قدراً وقدره تقديراً ، فالقدر بمعنى التقدير وقرأ عمر بن عبد العزيز والزهري: {فظن أن لن نقدر عليه} بضم النون والتشديد من التقدير ، وقرأ عبيد بن عمر بالتشديد على المجهول وقرأ يعقوب: (يقدر عليه) بالتخفيف على المجهول ، وروي أنه دخل ابن عباس رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه ، فقال معاوية: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فعرفت فيها فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك فقال: وما هي ؟ قال: يظن نبي الله أن لن يقدر الله عليه ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما هذا من القدر لا من القدرة.
ورابعها: فظن أن لن نقدر: أي فظن أن لن نفعل لأن بين القدرة والفعل مناسبة فلا يبعد جعل أحدهما مجازاً عن الآخر.
وخامسها: أنه استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه عن ابن زيد.
وسادسها: أن على قول من يقول هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس عليه السلام كان هذا الظن حاصلاً قبل الرسالة ، ولا يبعد في حق غير الأنبياء والرسل أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان.
ثم إنه يرده بالحجة والبرهان.
والجواب عن الثالث: وهو التمسك بقوله: {إِنّي كُنتُ مِنَ الظالمين} فهو أن نقول إنا لو حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام ، ولو حملناه على ما بعدها فهي واجبة التأويل لأنا لو أجريناها على ظاهرها ، لوجب القول بكون النبي مستحقاً للعن ، وهذا لا يقوله مسلم ، وإذا وجب التأويل فنقول لا شك أنه كان تاركاً للأفضل مع القدرة على تحصيل الأفضل فكان ذلك ظلماً.