أن يكون من باب:
ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم ...
بهن فلول من قراع الكتائب
وأشار بالمصدر الجاري على غير الفعل في قوله: {تنزيلاً} إلى أنه يتمهل عليهم ترفقاً بهم ، ولا ينزل هذا القرآن إلا تدريجاً ، إزالة لشبههم ، وشرحاً لصدورهم ، وتسكيناً لنفوسهم ، ومداً لمدة البركة فيهم بتردد الملائكة الكرام إليهم ، كما أنه لم يهلكهم بمعاصيهم اكتفاء ببينة ما في الصحف الأولى ، بل أرسل إليهم رسولاً لئلا يقولوا: ربنا لولا - كما اقتضته حكمته وتمت به كلمته ، ولما كان رجوعهم إلى الدين على ما يشاهد منهم من الشدة والأنفة والشماخة التي سماهم الله بها قوماً لدّاً في غاية البعد ، شرع سبحانه يذكر بقدرته إشارة إلى أن القلوب بيده يقلبها كيف شاء كما صورها كيف شاء ، وأن شأنه الرفق والأناة ، فقال ملتفتاً من التكلم إلى الغيبة ليدل على ما اقتضته النون من العظمة مقدماً ما اقتضى الحال تقديمه من سكن المدعوين المعتنى بتذكرتهم وهداية أريد منهم: {ممن خلق الأرض} المنخفضة.
ولما قدم الأرض إعلاماً بالاعتناء برحمها بالترفق بسكانها ليملأها بالإيمان منهم تحقيقاً لمقصود السورة تشريفاً للمنزل عليه ، أتبعها محل الإنزال على سبيل الترقي من بيت العزة إلى ما كنزه في خزانة العرش فقال: {والسماوات العلى} في ستة أيام ، ولو شاء كانتا في لحظة.