واعلم أن من قوله تعالى: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ} [مريم: 3] إلى تمام الآيات إشارة أخرى وهي: إن زكريا الروح نادى ربه {نِدَآءً خَفِيّاً} [مريم: 3] سر الس. {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً} [مريم: 4] أي: شيب صفات البشرية {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ} [مريم: 4] بموهبة الولد {رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ} [مريم: 4 - 5] أي: صفات النفس أن تغلب وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى {وَكَانَتِ امْرَأَتِي} [مريم: 5] أي: الجثة الجسدانية التي هي زوجة الروح {عَاقِراً} [مريم: 5] أي: لا يلد إلا بموهبة من الله، {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} [مريم: 5] وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني، فإنه ولي الروح والنفس التي هي أعدى عدوة. {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم: 6] أي: يتصف بصفة الروح وجميع الروحانيات. {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} [مريم: 6] أن تعطيه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره، قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} {يَا زَكَرِيَّا} [مريم: 7] الروح {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ} [مريم: 7] وهو القلب {اسْمُهُ يَحْيَى} [مريم: 7] بإحياء الله إياه بنوره كما قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً} [الأنعام: 122] فيه إشارة إلى أن من لم يحييه الله ولم يجعل له نوراً فهو ميت، قوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} [مريم: 7] أي: موصوفاً بصفة لا من الحيوانات ولا من الملائكة قبله وهي قبول فيض الألوهية بلا واسطة كما قال تعالى:"لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن"ألا وهي سر حمل الأمانة التي ضاق أهل السماوات والأرض عند حملها.