قوله تعالى {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} الإشارة الحقيقية هاهنا أن جوهر مريم جوهر فطرة القدس قرباه الحق بنور الإنس تقى جميع أنفاسها مجذوبة بنعت القرب والإنس إلى معدن الأنوار الألوهية فصارت كل وقت مراقبة بظهور شمس الجبروت من مشرق الملكوت فاعتزلت عن الاكوان بالهمة العالية المنعوتة بنور الغيب فاقبلت إلى مشارق شموس الذات والصفات واستنشقت نفحات الوصال من عالم الأزل فوصل إليها نفحة وصال الأزلية واشرقت عليها شمس مشاهدة القدسية فلما شهدت مشاهدة مشرق تجلى الأزل برقت أنواره ووصلت أسراره إلى روحها فحملت روحها بروح الغيب فصارت حاملة الكلمة الكبرى ونور الروح الأعلى فلما عظم شانها بعكس جمال تجلى الأزل عليها استترت من الخليقة واستانست بعروس الحقيقة وذلك قوله {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً} فلما خلت بذلك النور والبرهان فبان لها نور صدر من تجلى الجلال والجمال ووصل بنور روحها بعد أن تمثل لها بصورة عيسى وذلك قوله سبحانه {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} إذا فرغنا من وصف القدس اللاهوت عن الناسوت وعجز الناسوت عن إدراك اللاهوت وتنزيه جلال الحق عن ممازحة الخلق وافراد القدم عن الحدوث وعزة جماله وكبرياء أزليته عن المماثلة والمشابهة يقول أن ارسال الحق روحه إليها أن ذلك الروح ظهور تجلى قدس الذات في نور الصفات ونور الصفات في لباس الأفعال على صورة حسنة مرغوبة إليها ميل كل روحٍ بنعت الشوق إليها وذلك روح الفعل وروح الصفة وروح الذات في لباس نوره على قدر عقلها لذلك قال {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} وهذا عادة ظهور الحق في بداية عشق العاشقين ليجذب بها أرواحهم وقلوبهم إلى معدن تعريف الصفات والذات صرفاً بعد انفراد الحقيقة عن الخليقة ومن ذلك قال عليه السّلام"رايت ربى في احسن صورة"قال ابن عطا في قوله {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} نوراً منا القيناه عليها وخصصناها به فاين الكون فيه اثره فاخرج من ضياء نتائج ذلك النور عيسى روح الله صلوات الله عليه وروى عن ابى بن كعب رضي الله عنه أن ذلك البشر الممثل