يؤيد هذا ما روي عن ابن زيد قال قال عيسى عليه السلام لها لا تحزني ، فقالت كيف لا أحزن وأنت معي ولست ذات زوج ولا مملوكة ، فأي شيء عذري عند الناس ؟ ليتني متّ قبل هذا ، فقال لها عليه السلام أنا أكفيك الكلام ، قال تعالى (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً) عند ذهابك لأهلك وقريتك وأراد أحدا أن يتكلم معك في هذا الشأن"فَقُولِي"لهم"إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً"عن الكلام لدلالة المقام عليه ، وكان صوم الصمت عن الكلام عندهم معروفا ومن جملة العبادات لدى الإسرائيليين ، وهو حتى الآن كذلك ، وإنما أمرها بالصمت ليتكلم هو عنها ولئلا تجادل السفهاء بنفسها لأنها مهما قالت لهم لا يصدقوها ، لأنه أمر لم يقع وهو فوق العقل ، فكان سكوتها واجبا لحفظ كرامتها.
ثم فسر الصوم بقوله قولي"فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا"26 وإنما أناجي ربي وأكلم الملك وابني هذا ، أي قولي لهم هذا الكلام واسكتي.
فطاب خاطرها وعلمت حجة قول ابنها ، لأن تكليمه إياها فوق العقل أيضا ، وإذ حصل لها اطمئنان بما سمعت من ابنها ، عنّ لها أن ترجع إلى قريتها قال تعالى"فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ"إلى بلدتها النّاصرة ، فلما رأوها حزنوا لما يعلمون من صلاحها وطهارتها وأصلها ، لأنها من قوم صالحين ، وكان رجوعها إليهم حال كونها حاملة ولدها ، قالوا وكان رجوعها