وسبب هذه القصة ما خرجه الصحيحان عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال: أنا فعتَب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه فأوحى الله إليه إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى: يا رب فكيف لي به قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مِكتَل فحيثما فَقدتَ الحُوت فهو ثَمَّ"وذكر الحديث ، واللفظ للبخاري.
وقال ابن عباس: لما ظهر موسى وقومه على أرض مصر أنزل قومه مصر ، فلما استقرت بهم الدار أمره الله أن ذكرّهم بأيام الله ، فخطب قومه فذكّرهم ما آتاهم الله من الخير والنعمة إذ نجاهم من آل فرعون ، وأهلك عدوّهم ، واستخلفهم في الأرض ، ثم قال: وكلم الله نبيكم تكليما ، واصطفاه لنفسه ، وألقى عليّ محبة منه ، وآتاكم من كل ما سألتموه ، فجعلكم أفضل أهل الأرض ، ورزقكم العز بعد الذل ، والغنى بعد الفقر ، والتوراة بعد أن كنتم جهالا ؛ فقال له رجل من بني إسرائيل: عَرَفنا الذي تقول ، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: لا ؛ فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه ، فبعث إليه جبريل: أن يا موسى وما يدريك أين (أضع) علمي؟ بلى إن لي عبداً بمجمع البحرين أعلم منك ؛ وذكر الحديث.
قال علماؤنا: وقوله في الحديث"هو أعلم منك"أي بأحكام وقائع مفصَّلة ، وحُكم نوازل معينة ، لا مطلقاً ، بدليل قول الخضر لموسى: إنك على علم علّمكه الله لا أعلمه أنا ، وأنا على علم علّمنيه لا تعلمه أنت ، وعلى هذا فيصدق على كل واحد منهما أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه واحد منهما ولا يعلمه الآخر ، فلما سمع موسى هذا تشوقت نفسه الفاضلة ؛ وهمته العالية ، لتحصيل علم ما لم يعلم ، وللقاء من قيل فيه: إنه أعلم منك ؛ فعزم فسأل سؤال الذليل بكيف السبيل ، فأمر بالارتحال على كل حال.