أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يذكر هؤلاء المتكبرين عن مجالسة الفقراء قصة إبليس، وما أورثه الكبر، فقال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ} أي: واذكر يا محمد {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد أن ملائكة السماء الدنيا يقال لهم: الجن) . مقل قوله: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158] يعني حين قالوا: الملائكة بنات الله. وكان ابن عباس يقول: (لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود) .
وروى سعيد عن قتادة قال: (كان من قبيل من الملائكة يقال لهم: الجن) . وقال شهر بن حوشب: (كان إبليس من الجن الذين ظفر بهم الملائكة) .
وقال الحسن: (ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس) .
وقد ذكرنا الخلاف في هذا في سورة البقرة عند ذكر قصة آدم بالشرح.
وقوله تعالى: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} ذكر أهل التأويل في هذا ثلاثة أوجه: أحدها وهو الأكثر: أن معناه خرج عن أمر ربه إلى معصيته في ترك السجود. وهو قول الفراء، وأبي عبيدة.
قال الفراء:(أي خرج عن طاعة ربه، والعرب تقول: فسقت الرطبة
من قشرها لخروجها منه، وكأن الفأرة إنما سميت فويسقة لخروجها من جحرها على الناس).
وقال أبو عبيدة: ( {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} أي: جار ومال عن طاعته) ، وأنشد لرؤية:
فواسقًا عن قصده جوائرا
الوجه الثاني: ما ذكره الأخفش قال: (معنى {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} نحو قول العرب: اتخم عن الطعام، أي: عن أكله، ولما رد هذا الأمر فسق) . ونحو هذا حكى الزجاج عن قطرب. قال أبو العباس: (ولا حاجة به إلى هذا, الفسوق معناه: الخروج، {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} أي: خرج) .