وفي الحديث عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يَحشر الله الخَلْق ثم ينادي: يا عبادي أحضروا حُجتكم ويسِّروا جوابكم ، فإنكم مجموعون مُحَاسَبُون مَسْئولون ، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفاً على أطراف أنامل أقدامهم للحساب".
ولك أنْ تتصوَّر المعاناة والألم الذي يجده مَنْ يقف على أطراف أنامل قدميْه ؛ لأن ثقل الجسم يُوزَّع على القدمين في حال الوقوف ، وعلى المقعدة في حال الجلوس ، وعلى الجسم كله في حال النوم ، وهكذا يخفّ ثقل الجسم حسب الحالة التي هو عليها ، فإنْ تركّز الثقل كله على أطراف أنامل القدمين ، فلا شَكَّ أنه وَضْع مؤلم وشاقّ ، يصعُب على الناس حتى إنهم ليتمنون الانصراف ولو إلى النار .
ثم يقول تعالى: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ . .} [الكهف: 48]
أي: على الحالة التي نزلتَ عليها من بطن أمك عرياناً ، لا تملك شيئاً حتى ما يستر عورتك ، وقد فُصِّل هذا المعنى في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94]
وقوله تعالى: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً} [الكهف: 48] والخطاب هنا مُوجَّه للكفار الذين أنكروا البعث والحساب {زَعَمْتُمْ} [الكهف: 48] والزعْم مطيّة الكذب .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ...} .
قوله تعالى: {وَوُضِعَ الكتاب} [الكهف: 49] أي: وضعته الملائكة بأمر من الله تعالى ، فيعطون كل واحد كتابه ، فهي إذن صور متعددة ، فمَنْ أخذ كتابه بيمينه فرح وقال: