ومن ذلك ما نُسمِّيه نحن المبارزة ، فنرى الفتوة يقول للآخر (اطلع لي بره) أي: في مكان خال حتى لا يجد شيئاً يحتمي به ، أو حائطاً مثلاً يستند عليه ، وبرز فلان لفلان وبارزه أي: صارعه .
{وَحَشَرْنَاهُمْ} [الكهف: 47] أي: جمعناهم ليوم الحساب ؛ لأنهم فارقوا الدنيا على مراحل من لَدُن آدم عليه السلام ، والموت يحصد الأرواح ، وقد جاء اليوم الذي يُجمع فيه هؤلاء .
{فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} [الكهف: 47] أي: لم نترك منهم واحداً ، الكلُّ معرض على الله ، وكلمة {نُغَادِرْ} [الكهف: 47] ومادة (غدر) تؤدي جميعها معنى الترْك ، فالغدر مثلاً تَرْك الوفاء وخيانة الأمانة ، حتى غدير وهو جدول الماء الصغير سُمِّي غديراً ؛ لأن المطر حينما ينزل على الأرض يذهب ويترك شيئاً قليلاً في المواطئ .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ...} .
قوله تعالى: {وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً . .} [الكهف: 48] العرض: أن يستقبل العارض المعروضَ استقبالاً مُنظّماً يدلّ على كُلِّ هيئاته ، كما يستعرض القائد الجنود في العرض العسكري مثلاً ، فيرى كل واحد من جنوده {صَفّاً} أي: صُفوفاً منتظمة ، حتى الملائكة تأتي صُفوفاً ، كما قال تعالى: {وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً} [الفجر: 22]
أي: أنها عملية مُنظمة لا يستطيع فيها أحد التخفي ، ولن يكون لأحد منها مفَرٌّ ، وهي صفوف متداخلة بطريقة لا يُخِفي فيها صَفٌّ الصفَّ الذي يليه ، فالجميع واضح بكل أحواله .