الكواكب في نور الشمس، ثم عبر على الجن والشياطين فاتخذ زبدة خواص صفاتهم، ثم عبر على الحيوانات فاستفاد منهم الخواص والقوى، ثم تعلق القالب بالمخلوق بيد الله بالتخمير وقهره المستعد لقبول التجلي، فلما خلق الله آدم تجلى فيه، قال لأهل الخطاب وهم الملائكة والجن: {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] لاستحقاقه كماله في الخلقة ولشرفه بالعلم وقابليته للتجلي.
{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] لما فيهم من خصوصية العبادة، عبادة النورية واختصاص العلم بقبول النصح {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 31] لاختصاصه بالتمرد، تمرد الدأبة والجهل الذي هو مركون فيه ولحسبانه أنه عالم إذ قال له ربه: {يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 32] أي: ما حجتك في الامتناع عن السجود؟ {قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 33] أي: حجتي أنك خلقتني من نار وهي جوهر لطيف نوراني علوي وخلقته من طين وهو كشف ظلماني سفلي، فأنا خير منه بهذا الدليل.
فاستدل بهذا الاستدلال لرأي آدم ينبغي أن يسجد له لفضله عليه، ومن غاية جهالته وسخافة عقله فهم من بين كلامه إن الله أخطأ فيما أمره وأمر الملائكة بسجود كرم، وحسب أن الله تعالى جعل استحقاق آدم السجود للملائكة في بشرية آجم ودخلقته من الطين وهو بمعزل عما جعل الله استحقاقه للسجود في سر الخلافة المودعة في روحه المشرف بشرف الإضافة إلى حضرته المختص باختصاص نفخة العلم بالأسماء كلها المستعد لتجلي جماله وجلاله فيه.