{وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر: 21] أي: وما ننزل أشياء مما في خزائنه إلا بقدر ما هو معلوم منا في الأزل لحكمتنا البالغة المقتضية لإيجاده وإنزاله {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ} [الحجر: 22] أي: رياح العناية {لَوَاقِحَ} يلقح في أشجار القلوب ليحمل بأزهار الشواهد وأثمار الكشوف، كما قال بعضهم: رياح الكرم إذا هبت على أسرار العارفين أعتقتهم من هواجس أنفسهم ورعونات طباعهم وفساد هواهم ومراداتهم، وتظهر في القلوب نتائج الكرم وهو الاعتصام بالله والاعتماد عليه والانقطاع عما سواه إليه {فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ} [الحجر: 22] أي: سماه الهداية {مَاءً} [الحجر: 22] بالحكمة والموعظة {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} [الحجر: 22] ليربي به الأخلاق الحميدة والأوصاف الكريمة ويثمر الأعمال الصالحة {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ} [الحجر: 22] أي: لماء الحكمة {بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22] في أصل الخلقة وأنه لفي خزانة الحق تعالى ينزل على من يشاء لقوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ} [البقرة: 269] والحكمة صفة من صفاته {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} وليست الحكمة من صفات المخلوقين، وإنما سمى الفلاسفة الحكمة هي المقولات وهي من نتائج العقل والعقل من صفات المخلوقين فكما لا يجوز أن يقال لله:"العاقل"، لا يجوز أن يقال للمخلوق:"الحكيم"إلا بالمجازات أتاه الله الحكمة {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي} قلوب أوليائنا بأنواع رجالنا {وَنُمِيتُ} نفوسهم بسطوة نظرات جلالنا {وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا.