أَي ما جئناك بما يسوؤك، بل جئناك بما فيه سرورك ونصرك على أَعداءِ الله وأَعدائك، وهو إِيقاع العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله، فيمترون أَي يشكون فيه ويكذبونك. وهذا كما حكى الله عنهم في شيءٍ من التفصيل الذي تقدم في سورة هود:"قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ". ثم أكدوا بشارئهم بجملة من المؤكَّدات فقالوا:
64 - (وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) :
أَي وجئناك بالأَمر المحقق المتيقن الذي لا مجال للامتراءِ والشك فيه وهو عذابهم، وإِنا لصادقون فيما أَخبرناك به، أَو في كل كلام نقوله؛ لأَنه من عند الله عَزَّ وَجَلَّ فيكون كالدليل على صدقهم فيما أَخبروا به.
{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) }
المفردات:
(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) : أَي سر واذهب بأَهلك ليلًا، من أَسرى، وقرئ"فاسر"بهمزة الوصل من سرى، وهما بمعنى واحد. وقيل: أَسرى في السير أَول الليل، وسرى في السير آخره. (بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) : أَي جزءٍ منه، أَو من آخره. (أَدْبَارَهُمْ) : آثارهم.
(وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ) : أَي أَوحيناه إليه. وأَصل القضاء الحكم. ولكنه ضمن معنى الإِيحاءِ فتعدي تعديته بإِلى. (دَابِرَ هَؤُلَاءِ) : آخرهم. (مُصْبِحِينَ) : داخلين في الصباح. وتأْتى صيغة"أفعل"للدخول في الشيءِ نحو أَشرق، أَنجد، وأَتهم. (وَلَا تُخْزُونِ) : ولَا تُهِينونى، من الخزي، وهو الذل والهوان، أَو لا تخجلونى، من الخزاية، وهي الحياءُ والخجل.
التفسير
65 - (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) :
لما بشرت الملائكة لوطا عليه السلام بما أَرسلهم الله به، من إِهلاك المجرمين، وإِنجائه وإِنجاءِ أَهله إِلا امرأَته - أَمروه بما أَمر الله به وهو أَن يسرى بأَهله في جزءٍ من الليل أَو في آخره.
والفاءُ لترتيب الأَمر بالإِسراءِ على الإِخبار برسالتهم. وهذا شروع في ترتيب مبادئ النجاة كى تم على ما قضى الله ودبَّر.