فقال لنا «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين ، حذرا أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء» ثم زجر النبي صلى اللّه عليه وسلم راحلته فأسرع حتى خلفها آمِنِينَ لوثاقة البيوت واستحكامها من أن تتهدم ويتداعى بنيانها ، ومن نقب اللصوص ومن الأعداء وحوادث الدهر. أو آمنين من عذاب اللّه يحسبون أنّ الجبال تحميهم منه ما كانُوا يَكْسِبُونَ من بناء البيوت الوثيقة والأموال والعدد.
[سورة الحجر (15) : آية 85]
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)
إِلَّا بِالْحَقِّ إلا خلقاً ملتبساً بالحق والحكمة ، لا باطلا وعبثاً. أو بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ وإنّ اللّه ينتقم لك فيها من أعدائك ، ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم ، فإنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا لذلك فَاصْفَحِ فأعرض عنهم واحتمل ما تلقى منهم إعراضاً جميلا بحلم وإغضاء. وقيل: هو منسوخ بآية السيف.
ويجوز أن يراد به المخالقة «1» فلا يكون منسوخاً.
[سورة الحجر (15) : آية 86]
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (86)
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الذي خلقك وخلقهم ، وهو الْعَلِيمُ بحالك وحالهم ، فلا يخفى عليه ما يجرى بينكم وهو يحكم بينكم. أو إن ربك هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم ، وقد علم أن الصفح اليوم أصلح إلى أن يكون السيف أصلح. وفي مصحف أبيّ وعثمان: إن ربك هو الخالق وهو يصلح للقليل والكثير ، والخلاق للكثير لا غير ، كقولك: قطع الثياب ، وقطع الثوب والثياب.
[سورة الحجر (15) : آية 87]
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)
سَبْعاً سبع آيات وهي الفاتحة. أو سبع سور وهي الطوال ، واختلف في السابعة فقيل:
الأنفال وبراءة ، لأنهما في حكم سورة واحدة ، ولذلك لم يفصل بينهما بآية التسمية. وقيل سورة يونس. وقيل: هي آل حم ، أو سبع صحائف وهي الأسباع. والْمَثانِي من التثنية وهي التكرير ، لأن الفاتحة مما تكرر قراءتها في الصلاة وغيرها ، أو من الثناء لاشتمالها على ما هو ثناء على اللّه ، الواحدة مثناة أو مثناة أو مثنية صفة للآية. وأمّا السور أو الأسباع فلما وقع فيها من تكرير
(1) . قوله «يراد به المخالقة» أي المعاملة بحسن الخلق. وفي الصحاح: يقال خالص المؤمن ، وخالق الفاجر اه (ع)