وَأَصْلُهَا شَاهَةٌ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْأَصْلَ تَصْغِيرَهُمُ الشَّفَةَ: شُفَيْهَةَ، وَالشَّاةَ: شُوَيْهَةَ، فَيَرُدُّونَ الْهَاءَ الَّتِي تَسْقُطُ فِي غَيْرِ حَالِ التَّصْغِيرِ إِلَيْهَا فِي حَالِ التَّصْغِيرِ، يُقَالُ مِنْهُ: عَضَهْتُ الرَّجُلَ أَعْضَهُهُ عَضْهًا إِذَا بَهَتَّهُ وَقَذَفْتَهُ بِبُهْتَانٍ.
وَكَأَنَّ تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: الَّذِينَ عَضَّهُوا الْقُرْآنَ، فَقَالُوا: هُوَ سِحْرٌ، أَوْ هُوَ شِعْرٌ، نَحْوَ الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَتَادَةَ.
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: أَنَّهُ إِنَّمَا عَنَى بِالْعَضْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، نِسْبَتُهُمْ إِيَّاهُ إِلَى أَنَّهُ سِحْرٌ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ مِنْ مَعَانِي الذَّمِّ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرجز]
لِلْمَاءِ مِنْ عِضَاتِهِنَّ زَمْزَمَهْ ... يَعْنِي: مِنْ سِحْرِهِنَّ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْلِمَ قَوْمًا عَضَّهُوا الْقُرْآنَ أَنَّهُ لَهُمْ نَذِيرٌ مِنْ عُقُوبَةٍ تَنْزِلُ بِهِمْ بِعَضْهِهِمْ إِيَّاهُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ بِالْمُقْتَسِمِينَ، وَكَانَ عَضْهُهُمْ إِيَّاهُ: قَذْفُهُمُوهُ بِالْبَاطِلِ، وَقِيلِهِمْ إِنَّهُ شِعْرٌ وَسِحْرٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِهِ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ مِنَ ابْتِدَاءِ السُّورَةِ وَمَا بَعْدَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} ، عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا، وَإِنَّهُ إِنَّمَا عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} مُشْرِكِي قَوْمِهِ وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مُشْرِكِي قَوْمِهِ مَنْ يُؤْمِنُ بِبَعْضِ الْقُرْآنِ وَيَكْفُرُ بِبَعْضٍ، بَلْ إِنَّمَا كَانَ قَوْمُهُ فِي أَمْرِهِ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إِمَّا مُؤْمِنٌ بِجَمِيعِهِ، وَإِمَّا كَافِرٌ بِجَمِيعِهِ وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} قَوْلُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ عَضَهُوهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ سِحْرٌ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ شِعْرٌ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ كَهَانَةٌ، وَأَمَّا أَشْبَهُ ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ، أَوْ عَضُّوهُ