فَإِذْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّنْزِيلِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ عُنِيَ بِهِ أَحَدُ الْفِرَقِ الثَّلَاثَةِ دُونَ الْآخَرَيْنِ، وَلَا فِي خَبَرٍ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا فِي فِطْرَةِ عَقْلٍ، وَكَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ مُحْتَمِلًا مَا وَصَفْتُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا بِأَنَّ كُلَّ مَنِ اقْتَسَمَ كِتَابًا للَّهِ بِتَكْذِيبِ بَعْضٍ وَتَصْدِيقِ بَعْضٍ، وَاقْتَسَمَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ مِمَّنْ حَلَّ بِهِ عَاجِلُ نِقْمَةِ اللَّهِ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَدَاخِلٌ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لِأَشْكَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ كَانُوا عِبْرَةً وَلِلْمُتَّعِظِينَ بِهِمْ مِنْهُمْ عِظَةً.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ فِرَقًا مُفْتَرِقَةً.
عَنْ عَطَاءٍ: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} قَالَ:"الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، عَضَّهُوا الْقُرْآنَ فَجَعَلُوهُ أَجْزَاءَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ،"
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَجْنُونٌ، فَذَلِكَ الْعِضُونُ""
[قَالَ] الضَّحَّاكُ:"جَعَلُوا كِتَابَهُمْ أَعْضَاءَ كَأَعْضَاءِ الْجَزُورِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَقَطَّعُوهُ زُبَرًا، كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} "
فَوَجَّهَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ قَوْلَهُ: {عِضِينَ} إِلَى أَنَّ وَاحِدَهَا: عُضْوٌ، وَأَنَّ عِضِينَ جَمْعُهُ، وَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ عَضَّيْتُ الشَّيْءَ تَعْضِيَةً: إِذَا فَرَّقْتَهُ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ:
[البحر الرجز]
وَلَيْسَ دِينُ اللَّهِ بِالْمُعَضَّى
يَعْنِي بِالْمُفَرَّقِ وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[البحر الطويل]
وَعَضَّى بَنِي عَوْفٍ فَأَمَّا عَدُوَّهُمْ ... فَأَرْضَى وَأَمَّا الْعِزَّ مِنْهُمْ فَغَيَّرَا
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «وَعَضَّى» : سَبَّاهُمْ وَقَطَّعَاهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ جَمْعُ عِضَةٍ، جُمِعَتْ عِضِينَ، كَمَا جُمِعَتِ الْبُرَّةُ بُرِينَ، وَالْعِزَّةُ عِزِينَ فَإِذَا وُجِّهَ ذَلِكَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ كَانَ أَصْلُ الْكَلَامِ عِضَهَةُ، ذَهَبَتْ هَاؤُهَا الْأَصْلِيَّةُ، كَمَا نَقَصُوا الْهَاءَ مِنَ الشَّفَةِ وَأَصْلُهَا شَفَهَةُ، وَمِنَ الشَّاةِ