قال ذو النون: علامة العارف ثلاثة: لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يعتقد باطناً من العلم ينقض عليه ظاهراً من الحكم، ولا يحمله كثرة نعم الله وكرامته على هتك أستار محارم الله؛ فأرباب النهايات كلما ازدادوا نعمة ازدادوا عبودية، وكلما ازدادوا دنيا ازدادوا قرباً، وكلما ازدادوا جاهاً ورفعة ازدادوا تواضعاً وذلة: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} (المائدة: الآية 54) وكلما تناولوا شهوة من شهوات النفوس استخرجت منهم شكراً صافياً، يتناولون الشهوات تارة رفقاً بالنفوس لأنها معهم كالطفل الذي يلطف بالشيء ويهدي له شيء ؛ لأنه مقهور تحت السياسة مرحوم ملطوف به. وتارة يمنعون نفوسهم الشهوات تأسياً بالأنبياء واختيارهم التقلل من الشهوات الدنيوية.
قال يحيى بن معاذ: الدنيا عروس تطليعها ماشطتها، والزاهد فيه يسخم وجهها وينتف شعرها ويخرق ثوبها، والعارف بالله مشتغل بسيده ولا يلتفت إليها.
واعلم أن المنتهي مع كمال حاله لا يستغني أيضاً عن سياسة النفس ومنعها الشهوات وأخذ الحظ من زيادة الصيام والقيام وأنواع البر، وقد غلط في هذا الخلق، وظنوا أن المنتهي استغنى عن الزيادات والنوافل ولا على قلبه من الاسترسال في تناول الملاذ والشهوات، وهذا خطأ لا من حيث إنه يحجب العارف عن معرفته، ولكن موقف عن مقام المزيد. وقوم لما رأوا أن هذه الأشياء لا تؤثر فيهم قسوة ولا تورثهم حجبة ركنوا إليها واسترسلوا فيها وقنعوا بأداء الفرائض واتسعوا في المأكل والمشرب، وهذا الانبساط منهم بقية من سكر الأحوال، وتقيد بنور الحال، وعدم التخلص بالكلية إلى نور الحق، ومن تخلص من نور الحال إلى نور الحق يذهب عنه بقايا السكر ويوقف نفسه مقام العبيد، كأحد عوام المؤمنين يتقرب بالصلاة والصوم وأنواع البر حتى بإماطة الأذى عن الطريق، ولا يستكبر ولا يستنكف أن يعود في صور عوام المؤمنين من إظهار الإرادة بكل بر وصلة، ويتناول الشهوات وقتاً رفقاً بالنفس المطهرة المزكاة المنقادة المطواعة لأنها أسيرته، ويمنعها