قال زيد بن أسلم: خصلتان هما كمال أمرك تصبح لا تهم لله بمعصية وتمسي ولا تهم لله بمعصية؛ فإذا أحكم الزهد والتقوى انكشفت له النفس وخرجت من حجبها وعلم طريق وخفي شهواتها ودسائسها وتلبيساتها. ومن تمسك بالصدق فقد تمسك بالعروة الوثقى.
قال ذو النون: لله تعالى في أرضه سيف ما وضع على شيء إلا قطع وهو الصدق.
ونقل في معنى الصدق: أن عابداً من بني إسرائيل راودته ملكة عن نفسه فقال: اجعلوا لي ماء في الخلاء أتنظف به، ثم صعد على موضع في القصر فرمى بنفسه؛ فأوحى الله تعالى إلى ملك الهواء أن ألزم عبدي، فلزمه ووضعه على الأرض وضعاً رفيقاً، فقيل لإبليس ألا أغويته. فقال ليس لي سلطان على من خالف هواه وبذل نفسه لله تعالى.
وينبغي للمريد أن تكون له في كل شيء نية لله تعالى حتى في أكله وشربه وملبوسه، فلا يلبس إلا لله ولا يأكل إلا لله ولا يشرب إلا لله ولا ينام إلا لله، لأنّ هذه كلها أرفاق أدخلها على النفس إذا كانت لله لا تستعصي النفس وتجيب إلى ما يراد منها من المعاملة لله والإخلاص، وإذا دخل في شيء من رفق النفس لا لله بغير نية صالحة صار ذلك وبالاً عليه. وقد ورد في الخبر «مَنْ تَطَيَّبَ لله تَعَالَى جَاءَ يَوْمُ القِيَامَةِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ الأَذْفَرِ، وَمَنْ تَطَيَّبَ لِغَيْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ جَاءَ يَوْمُ القِيَامَةِ وَرِيحُهُ أَنْتَنُ مِنَ الجِيفَةِ» .
وقيل: كان أنس يقول: طيبوا كفي بمسك، فإنّ ثابتاً يصافحني ويقبل يدي وقد كانوا يحسنون اللباس للصلاة متقربين بذلك إلى الله بنيتهم: فالمريد ينبغي أن يتفقد جميع أحواله وأعماله وأقواله ولا يسامح نفسه أن تتحرك بحركة أو تتكلم بكلمة إلا لله تعالى، وقد رأينا من أصحاب شيخنا من كان ينوي عند كل لقمة ويقول بلسانه أيضاً: آكل هذه اللقمة لله تعالى، ولا ينفع القول إذا لم تكن النية من القلب؛ لأن النية عمل القلب، وإنما اللسان ترجمان؛ فما لم تشتمل عليه عزيمة القلب لله لا تكون نية.