وقال ابنُ فارس: العين والباء والدَّال أصْلان صحيحان، أحدهما: اللِّين والذُّل؛ اهـ.
ويؤخذ من كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة وتلميذِه الإمام ابن القيِّم: أنَّ العبادة حالٌ يجمع غاية الذُّل مع غاية الحب، وقال السيد رشيد رضا: تدلُّ الأساليب الصحيحة والاستعمالُ العرَبِيُّ الصُّراح: على أنَّ العبادة ضرْبٌ من الخضوع بالِغٌ حدَّ النهاية، ناشئٌ عن استشعار القلب عظَمَةً للمعبود لا يعرف مَنْشَأها، واعتقاده بِسُلطة له لا يدرك كُنْهَها وماهيتها، وقصارى ما يعرف عنها: أنَّها مُحيطة به، ولكنَّها فوق إدراكه؛ اهـ.
فبالتأمُّل فيما ذكره هؤلاء العلماء نَتبيَّن أنَّ"العبادة"على أيِّ حال، وبأي استعمال تصرَّفَت، فإنَّها تُعطي معنى الذُّل والاستسلام، وسهولة الانقياد، والموافقة لِما يرضاه المعَبِّد من عابده، فالعَبْد المملوك: ذليلٌ بالرِّق مستسلِمٌ لِمالكه، سهل الانقياد والموافقة له في مراضيه وأصْل رقِّه، جاء من استسلامه له حين غُلب في ميدان القتال على الدِّين الصحيح والعقيدة الحقَّة، والدِّين الفاسد والعقيدة الزَّائغة، فكان إصراره على الدِّين الباطل وقتاله عنه، وحرْبُه للدِّين الحق مستوجبًا لإذلاله، واقتضى أَسْرُه على ذلك استسلامَه وانقياده لآسرِه الذي مَلَك رقبتَه بذلك الأَسْر على الحقِّ، وأخرجه من بيئة الكفر الظَّالِمة الفاسدة، وضمَّه إلى بيئة الإسلام الرحيمة العادلة، الصالحة الْمُصلحة، فهي نِعْمة عليه لآسرِه ومنقذه، تقتضي تلك العبوديَّةَ، وهذا الاستسلامَ، وكذلك البعير المعبَّد: سهل الانقياد لمن يأخذ زمامه، والطريق المعبَّد: وطِئَته الأقدام والأرجل التي ضرَبْت فيه حتى أصبح سهلاً مذلَّلاً للسائرين، وتفسيرهم"العبادة"بالانقياد والخضوع: تفسير باللاَّزم؛ لأنَّهما لازمان للذُّل والسهولة؛ ولذلك جمع صاحب"المصباح"في تعريفها: الانقياد والخضوع على وجه التقرُّب.