قول الله - جلَّ ثناؤه:"كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [الحجر: 90 - 93] .
"الْمُقْتَسِمِينَ"القَسْم: مصدر قَسَم الشيءَ يَقْسمُه قسمًا، فانقسم؛ أيْ: جَزَّأه إلى أجزاءٍ يَمْتاز كلُّ جزء منها بِسِمَةٍ خاصَّة به، وتَقَسَّم القومُ الشيءَ، واقتسموه وتقاسموه: توزَّعوه، فاختصَّ كلُّ واحد منهم بِجُزء منه أو ناحية خاصَّة؛ كذا في"اللسان".
وقال الراغب:"الْمُقتسمين الذين تقاسَموا شِعابَ مكَّة؛ لِيَصُدُّوا عن سبيل الله مَن يريد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"اهـ.
فالْمُقتسمون هم شيوخُ قريشٍ وكبارُ مُجرميها، الذين خافوا على رياستهم ومشيختِهم القائمة على الدَّجَل، واستعباد الدَّهْماء بالباطل، وخشوا أن يذهب بِها الهدى والحق الذي جاء به رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لِيُعيد الإنسانَ إلى كرامته التي أكرمه ربُّه بِها؛ فإنَّه إذا عادَتْ هذه الكرامة نزل هؤلاء المُجرمون من طاغوتيَّتهم إلى مَنْزِلة الْمُساواة مع النَّاس، فاضْطَرتْهُم هذه المساواة إلى الكَدْح في الحياة كغيرهم، وهم يعيشون في بذَخٍ وترَفٍ، كَلاًّ على الدَّهماء الكادحين، وانقشعَتْ عنهم حينئذٍ سحُبُ تلك الهيبةِ الزَّائفة، فترتفع إليهم الأبصار - بعد أن كانت خاشعة - وتنفضح مَخازيهم وجرائمهم التي كانت مستترة وراء هذه السُّحب الوهميَّة من الدَّجَل باسْم الدِّين واحتكاره، والتخصُّص له دون غيرهم.