وما أنتَ عليهم بحفيظٍ ولا وكيل، إنْ عليك إلاَّ البلاغ، وقد بلغهم البلاغ الواضح، فما عندهم شكٌّ في صدْقِك ولا في صدق ما تَتْلو عليهم من آيات الذِّكْر الحكيم، ولقد علموا يقينًا أنَّك أنت النَّذيرُ المبين، الذي لا يَنْتظر منهم مثوبةً ولا جزاء، وإنَّما تَحْملك على دعوتِهم وإنذارك الواضحِ البيِّنِ شفقَتُك عليهم، ورحمتُك بِهم، وحرصُك على نجاتهم، لكنَّهم لم يُقَدِّروا لك ذلك، ولم يرَوْك بِهذه العين العادلة، وإنَّما رأَوْك بعين اللُّؤم والضِّغْن، والبغي والحسد؛ إذْ هم فقَدُوا عين العدل والإنصاف حين ماتَتْ قلوبُهم بسموم البغي والكِبْر والدَّجل؛ لاستعباد الناس، واستغلالهم لأهوائهم وشهواتهم، فسوَّلَت لهم شياطينُهم أنَّك ستسلبُهم رياستَهم ووجاهتَهم، وتُنْزلُهم عن دركات غرور وبغي المَتْبوعين إلى درجات التابعين.
فهُم بذلك ليسوا أهْلاً لشفقتك ولا عطفك، وإنَّما أهلٌ لاحْتِقارك وازدرائك ومَقْتك، ولعلَّهم يستغِلُّون منك عاطفة الشَّفَقة، فيبالغون في الفساد والفسق حتَّى تزداد حزنًا عليهم، ويبلغ بك الْهَمُّ والحزن أن تَبْخَع نفسك على آثارهم، وما هم بهذه المكانة، ولا أهل لِهذه العاطفة الكريمة منك، فضلاً عن أنَّ ذلك سيعوقك عن أداء رسالة ربِّك لِمَن هو متعطِّشٌ إليها مِمَّن لم تَفْسُد فِطَرُهم هذا الفساد، ولم يبعدوا في الضَّلال بُعْدَ هؤلاء:"وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" [الأنعام: 51] .
"وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ" [الأنعام: 70] .