فمدُّ العين: طموحُ بصَرِها، وزيادة نظَرِها بإطالة التَّحديق والتأمُّل في المنظور؛ للإحاطةِ به من جميع جوانبه؛ لتعريف مزاياه وخصائصه، ولا يصدر ذلك إلاَّ عن حركة اشتهاء واستحسانٍ للشيء المنظور تَدْفع إلى استجلاء الشيء المشتَهَى واستكشافه، فترسل النَّفْسُ رائدَها من الحاسَّة المُعَدَّة لذلك الاستكشاف، ولا تزال النَّفْس تُحرِّك تلك الحاسة وتبعثها مرَّة ومرة، حتَّى تُشْبِع رغبتَها، وتقضي شهوتَها من ذلك الشَّيء المستحسَن المشتَهى لها، وقد يكون رائدُ النَّفس لذلك: الأذن تَسْمع، واليد ونحوها تلمس، والأنف يشَمُّ، والفم يَذُوق، لكن الله عبَّر بِالعَيْن هنا؛ لأنَّها أقوى وأبرز رائدٍ للنَّفس، وتأديتها إليها أبلغ وأوسع دائرة في الإحاطة من بقية الحواسِّ، وهيَ مع ذلك أصدق عنوان على ما تنطوي عليه النَّفس من نوازع الحُبِّ والكره، والرِّضا والسخط، والصفاء بالسلامة والطُّهر والسماحة، والإظلام بالغِلِّ والحقد والغَبْن والحسد، ومِن ثَمَّ قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (( العين حق ) ) [1] ؛ يعني: إن كذب اللِّسان، فاعرف الحق من العين بما تميز عنه.
[1] أخرجه البخاري برقم [5408] ومسلمٌ برقم [2187، 2188] ومن حديث ابن عبَّاس: عن النبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( العين حقٌّ، ولو كان شيءٌ سابقَ القدَرِ سبقَتْه العينُ، وإذا استُغْسِلتم فاغسلوا ) )،"ولو كان شيءٌ سابق القدر سبقته العين"فيه إثبات القدَر، وهو حقٌّ بالنُّصوص وإجماعِ أهل السُّنة، ومعناه أنَّ الأشياء كلَّها بِقَدَر الله تعالى، ولا تقع إلاَّ على حسب ما قدَّرها الله تعالى وسبق بِها علْمُه، فلا يقع ضرَرُ العين ولا غيْرُه من الخَيْر والشرِّ إلاَّ بِقَدَرِ الله تعالى، وفيه صحَّة أمر العين، وأنَّها قويَّة الضَّرر.