جنس ما يعرفونه ويتعاطونه من الفصاحة والبيان.
أبان بعد هذا وجه الرحمة في تسمية الله رسوله نبي الرحمة ، ونبي الملحمة ، والحاشر ، وإن الكتاب المعجز باق عندهم بقاء الدهر ، كما قال: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ به وَمن بَلَغَ 6: 19 [1] ، فمن بلغ وقبل فاز ونجا ، ومن رده وكذب به قوتل ، ونصبت بينه القتال والملحمة حتى ينقاد لشريعته ، أو يقتل لسوء اختياره ، فتتم الرحمة بهذه المعاملة ، ويعرف فضل هذه الأمة على غيرها بإزالة الاستئصال والاصطلام الواقعة بغيرها من الماضين من الأمم.
وذكر من طريق عبد الجبار بن عمر الأيلي ، عن عبيد الله بن عطاء بن إبراهيم عن جدته: أم عطاء - مولاة الزبير بن العوام - قالت: سمعت الزبير بن العوام يقول: لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ 26: 214 [2] ، صاح رسول الله صلى الله عليه وسلّم على أبي قبيس: يا بني عبد مناف ، إني نذير لكم ، فجاءت قريش فحذرهم وأنذرهم ، فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك ، وأن سليمان سخر له الجبال والريح ، وأن موسى سخر له البحر ، وأن عيسى كان يحي الموتى ، فادع الله أن يسيّر عنا الجبال ويفجر لنا الأرض أنهارا ، فنتخذها محارث فنزرع ونأكل ، وإلا فادع الله بأن يحي لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا ، وإلا فادع الله أن يصير هذه الصخرة التي تحتك ذهبا ، فنبحث عنها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف ، فإنك تزعم أنك كهيئتهم ، قال: فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي ، فلما سري عنه قال: والّذي نفسي بيده ، لقد أعطاني ما سألتم ، ولو شئت لكان ، ولكن خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم ، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فلا يؤمن منكم أحد ، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم ، وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنه يعذبكم عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ، فنزلت:
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ 17: 59 [3] ، فقرأ ثلاث آيات فنزلت: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ به الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ به الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ به الْمَوْتى 13: 31 [4] .
[1] الأنعام: 19.
[2] الشعراء: 214.
[3] الإسراء: 59.
[4] الرعد: 31.